الكسل في أمر المعيشة ٢٨

الكسل في أمر المعيشة ٢٨
00:00 --:--

ولاحظوا أن هناك روايات كثيرة تعرضت إلى هذا الجانب، ونحن سوف نتحدث هذا اليوم، فيما يرتبط بأمر الكسل في الحياة العامة، وبشكل خاص فيما يرتبط بأمر المعيشة. وسيكون عندنا حديث في وقت آخر إن شاء الله حول موضوع الكسل في طلب العلم، والكسل في أمر العبادة، والكسل في الأمر الاجتماعي. لكن حديثنا اليوم يتناول الجانب المعيشي، وهو يرتبط بأكثر الناس. فكل إنسان في هذه الحياة، مطلوب منه أن يسعى في أمر معاشه، وآنئذ إما أن يكون نشيطا متحركا في هذا الجانب، أو لا يكون.

وقد تجد من النحو الثاني أناس. ونرجو أن لا تكون الأزمة الاقتصادية التي تمر بها المجتمعات المسلمة في هذه الفترات باعثا عليها. فقسم من الناس يتخذ الطريق الأسهل، ويقول لك: الظروف الحياتية ضاغطة، فبدل أن يزيد نشاطه في طلب رزقه، يحرك فكره في تحصيل قوته، يمد يدا هنا، ويدا هناك، ومرة هنا باسم الاستعطاء، وهناك باسم المساعدة، وما شابه ذلك.

وقد يكون هذا - أيها الأحباب - طريقا إلى تكرس حالة الكسل عند الإنسان. فقسم من الناس، يرى الأمر صعبا عليه، أن يذهب يوميا، من الصباح إلى الظهر، وعلى مدى شهر كامل، حتى يحصل على هذا المقدار من الراتب. فيذهب إلى هنا ويطلب مساعدة، من هذه الجمعية ومن تلك الجمعية، ومن هذا العالم وذاك التاجر، ومن هذا الوجيه، فيجمعها، حتى لو من كل واحد ٥٠٠، فهي تُسيِّر حاله، لكنه لا يدري هذا كم خسر! ولا يعلم ماذا خسر من نفسه! ولا يعلم ماذا صنع لنفسه في يوم القيامة! وعندما يأتي - كما سيأتي في الأحاديث - فنشير إلى بعض الروايات الواردة في هذا المعنى.

في الحديث عن أبي جعفر، الباقر (ع) - أبو جعفر، عندنا في كنى الأئمة صلوات الله عليهم، أبو جعفر الأول، وهو الباقر، محمد بن علي، وأبو جعفر الثاني، محمد بن علي الجواد، وهنا الباقر - عن أبي جعفر (ع)، قال: "إِنِّي لَأُبْغِضُ الرَجُلَ"، في رواية، أو "لَأُبْغِضُ لِلرَّجُلِ" في رواية أخرى. يختلف المعنى. إذا "إِنِّي لَأُبْغِضُ الرَجُلَ"، يعني: ذات هذا الكسول، أنا أبغضه، "إِنَّي لَأُبْغِضُ لِلرَّجُلِ" آنئذ يبغض الإمام عمله، فالاختلاف سيكون في بغض الإمام لهذا الرجل، أو في بغضه لعمله. "إِنِّي لَأُبْغِضُ الرَجُلَ"، حسب النقل الأول، أو "لَأُبْغِضُ لِلرَّجُلِ"، "أَنْ يَكُونَ كَسْلَانًا عَنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ". قسم من الناس يقول: ما هي قيمة الدنيا؟ ليس لها قيمة، فأن أذهب حتى أصلي، وأذهب حتى أتحمم، أو أقوم بالأعمال المستحبة. فهذه من التي تستحق أن أذهب للعمل من الصباح إلى المساء، أو أحصل الرزق، أو أبيع أو أشتري، أهذه لا تساوي شيئا؟ الإمام يقول: لا. "فَإِنَّ مَنْ كَسَلَ عَنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ، فَهُوَ عَنْ أَمْرِ آخِرَتِهِ أَكْسَلُ".

أما أنت، فإذا أمر الدنيا الذي هو أمر حالي، فعلي، الآن، ومتطلباته حاضرة، فعندك زوجة تحتاج إلى إنفاق، وعندك أولاد يحتاجون إلى عطاء، وعندك نفسك تصونها من السؤال، فهذه قضايا عاجلة، وحالَّـة وفعلية، إذا أنت عاجز عنها، فأنت عن أمر الآخرة التي هو ليس حالا، مستقبليا، سيأتي بعد مئات أو آلاف السنين، ستكون أنت أعجز في هذه الحالة.

فالإنسان الذي مطلوب منه شيء الآن، وهذا الشيء يضغط عليه الآن، فلا يقوم به، كيف يقوم بأمر سيأتي بعد آلاف السنوات؟! وفي الحديث الذي افتتحنا به عن الإمام الكاظم (ع)، "قَالَ أَبِي" – يعني الصادق – "أَبِي لِبَعْضِ وِلْدِهِ"، أكثر من مرة، نحن نبهنا على هذا المعنى: أن الإمام إذا نقل حديثا عن أبيه أو عن آبائه، مع أنهم في مرتبة الإمامة من حيث حجية حديثهم، واحدة. لكن، يكون الإمام الكاظم مبتدئا الكلام، أو يقول: قال جدي أمير المؤمنين (ع)، فالنتيجة نفسها من حيث أن هذا الكلام كلام حجة علينا، فليس من فرق بين أن الإمام يقول الحديث عن الإمام الكاظم، أو عن جده أمير المؤمنين. ولكن، نجد هذا التركيب – أحيانا - موجودا في الروايات، أن الإمام ينقله عن آبائه، وهذا له أهداف متعددة، أحدها: تأكيد المضمون. وأنه كما أنا أقوله، قاله أبي، ويقوله جدي؛ للتأكيد عليه. وأحد الخطوط التي أكد عليها الأئمة، هو هذا الموضوع.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة