إلى أن قالوا، أن يوما من الأيام، كان يحضر درس العلامة المجلسي الذي هو أستاذه، وهو تلميذ له. فطرح العلامة المجلسي إشكالا ومسألة، ولم يعرف الطلاب جوابها، لكنه، أي هذا الملا، كتب جوابها على ورقة من هذه الأوراق، وما كان له دفتر يحفظها، فسقطت منه. ورآها أحد من الطلبة، ووجد فيها الجواب على تلك المسألة، فأخذها وذهب بها إلى العلامة المجلسي، وقال له: هذا جوابي. فقال له العلامة: هذا ليس منك، فأنت مستواك معروف عندي. فأين وجدت هذه الورقة؟ فقال له: رأيتها في المكان الذي يجلس فيه فلان، وكان يجلس عند الباب، حتى لا يرى أحد ملابسه الرثة. فطلبه إليه العلامة المجلسي، وقال له: قرر لي الجواب. فقرره، أي: أجاب، فاستحسن جوابه العلامة. ثم قال له: لماذا هكذا؟ فقال له: ليس عندي شيء.
فذاك الوقت، أقبل عليه العلامة المجلسي، وأعطاه مبلغا لترتيب حاله، وخطبه لابنته. وقال له: تعال تزوج ابنتي، أنا العلامة المجلسي. وقد كان في زمانه: قاضي القضاة، في زمان الصفويين. فترتب حال الملا، ثم بعد ذلك الأمر، أصبحت له تأليفات عديدة.
الشاهد أين؟ الشاهد: أن هذا الذي كان ينسى إلى حد أنه لا يتذكر طريق منزله الشخصي، وطريق منزل أستاذه، هذا نفسه، بسعيه، ونشاطه، وجده، وجديته، ودأبه، وصل إلى أن صار أحد أعاظم علماء الطائفة. هذا في العلم الديني. فليس عنده ذكاء استثنائي، حسب التعبير، ولا حتى حافظة عادية. ولا أحد منا عنده هذه الحالة، الحمد لله، نسأل الله يأن عافينا منها. فلا أحد يخرج من بيته إلى المسجد، ثم يتحير: أين بيته، وكيف يعود إليه؟ وتعالوا دلوني، إلا أن يصيبه الزهايمر، كما يقولون، على أثر كبر السن. أما هذا فقد كان في شبابه بهذه الصورة، ومع ذلك وصل إلى ما وصل.
أما النموذج الآخر في النشاط والسعي والدأب وعدم الكسل، نموذج معاصر في الأمور الدنيوية. فقد أتينا بنموذج إسلامي، و الآن نأتي بنموذج من العصر الحديث، المرأة الأمريكية المعروفة: هيلين كيلير.
هيلين كيلير، توفيت سنة ٦٨ ميلادية. وهذه قد أصيبت بعد ولادتها بـ ٢٠ شهر تقريبا، بمرض أفقدها السمع والبصر، وكانت عمرها آنئذ: أقل من سنتين، لكنها، لا تسمع ولا تبصر، (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا)، يعني منافذ المعرفة التي لا بد أن تكون عندها ثلاثة، اثنتان منها ذهبتا. فلا يمكنها أن تقرأ باعتبار أنها لا ترى، ولا يمكنها أن تسمع حتى تحصل على العلم. ومع ذلك عملت على نفسها، وساعدها في ذلك والدها أيضا، وفي هذا تتبين مسؤولية الآباء في هذا الموقف. فلو كانت في مكان آخر، فماذا كانت تصبح هذه؟ متسولة، بعد عدة سنوات، تجعل يدها أمام الناس، وتتسول.
لكن هذه على أثر صلابة إرادتها هي، واهتمام أبيها، ظلت تتعلم، حتى أتوا لها بمعلمة خاصة، علمتها على الأشياء بالإحساس، باللمس، وبحركة الشفة - وفي هذا حديث مفصل عن هذه اللغة - وظلت كذلك، حتى دخلت المدرسة الابتدائية بعد ذلك، والمدرسة المتوسطة، والمدرسة الثانوية، ثم تخرجت ببكالوريوس آداب. وكانت أول جامعية، في تاريخ الجامعات، مكفوفة وصماء، تتخرج، وفي أي مجال؟! مجال الآداب، الذي يحتاج إلى سماع، ويحتاج إلى نظر.
وتعلمت بعد ذلك بالإضافة إلى أنها أمريكية فتتقن الإنجليزية، تعلمت اللغتين الألمانية والفرنسية، فأصبحت حاملة لثلاث لغات، وعندها بكالوريوس، ثم تحولت إلى داعية للحريات المدنية، وعندها خطابات ونشاط سياسي، وعندها وعندها، اقرؤا في حياتها، كتابها اسمه: قصة حياتي، ترجم إلى ٥٠ لغة عالمية. وعندها ثمانية عشر كتابا، فهذه هي المرأة التي لم تكن ترى، ولم تكن تسمع، ولكنها كانت نشطة في طلب المعرفة.