الكسل في التحصيل العلمي ٢٩

الكسل في التحصيل العلمي ٢٩
00:00 --:--

بالعكس، فلا بد أن ينظر في حياة النشيطين، حياة الذين برعوا في حياتهم. لنأخذ مثلا قضية الكسل في طلب العلم، وما يقابلها من النشاط، بأن أورد مثالين، ثم أعقب عليهما. فيما يرتبط بطلب العلم الديني والنشاط فيه، والحركة والحيوية، فلا تتصور أن هؤلاء المراجع العظام، أو المفسرين الكبار، أو الفقهاء والأصوليين الأعاظم، كان عندهم ذكاء خارق استثنائي، لا. فالذكاء وحده لا يصنع شيئا، ولا بد فيه من نشاط يعضده، وحيوية تحركه واستمرار. فلو أن إنسانا كان أذكى البشر، لكنه كسول، فلا يصل إلى شيء. ولو انعكس الأمر، يعني - لو فرضنا - أن إنسانا لم يكن ذكيا ولكنه كان نشيطا، كان دؤوبا، كان حيويا، هذا يصل إلى أشياء.

مثال من علمائنا: المولى الملا صالح المازندراني، متوفى سنة ١٠٨٣ه - صهر العلامة المجلسي، رضوان الله عليهما، صاحب البحار – أي العلامة المجلسي، صهره هو المولى الملا صالح المازندراني. والملا بالفارسي غير التي عندنا. فهي عندنا تقال لمن يقرأ التعزية، لكن الملا في الفارسية، تعني: العالم الكبير، فيقولون: الملا، الملا الآخون، الملا المازندراني، يعني هذا الذي عنده علم كبير جدا. أما عندنا في اللغة العربية، ليس هكذا، وفي الاصطلاح المتداول، ملا عندنا تعني: من يقرأ الرثاء، وهي هناك – أي: في الفارسية - تختلف عنها.

هذا الملا صالح المازندراني، يقول: أنا حجة على جميع الطلبة. أي: الله يستطيع أن يحتج بي على جميع الطلاب. اسمعوا يا طلاب العلم الديني، وطلاب العلم الدنيوي، كيف؟ قال: لأنني لا أتصور أن أحدا أقل حافظة مني ولا أكثر فقرا مني. مع ذلك عنده شرح جدا بديع على كتاب الكافي.

وكتاب الكافي، من الكتب الأربعة، لثقة الإسلام الكليني. وفيه بحوث عميقة ودقيقة جدا: في العقائد، والأحكام، وغير ذلك. وهو من أهم الكتب الروائية عند الشيعة، أي كتاب الكافي للكليني. والملا المازنداراني لديه شرح عليه، بديع جدا، وقوي ومتنوع.

وهو يقول: أنا حجة عليهم، لماذا؟ ذكروا، أنه هو نفسه قد قال: أنا ما تعلمت القراءة والكتابة إلا في ثلاثين سنة. يعني عمل على نفسه طوال هذه المدة، حتى عرف كيف يقرأ ويكتب. فكم أنت تحتاج كي تتعلم كيف تقرأ وتكتب! عادة الواحد منا، لا يصل إلى الصف الرابع، أو الخامس الابتدائي، إلا وعرف القراءة والكتابة، يعني بالكثير، سيدرس ثلاث سنوات. لكن هذا يقول: أنا درست ٣٠ سنة إلى أن تعلمت القراءة والكتاب. لماذا؟ لأنه كان كثير النسيان، إلى حد أنه يخرج من بيتهم، ثم ينسى أينه، فيظل متحيرا كيف يعود إليه. أو يذهب اليوم إلى بيت أستاذه. ثم اليوم الثاني ينسى أين البيت! في هذه الجهة أم تلك، في هذا الصوب أم ذاك. وأنت تصور أن واحدا ينسى الطريق إلى بيته، وكيف يرجع إليه. وينسى كيف وأين هو بيت أستاذه الذي ذهب إليه بالأمس، كم هو كثير النسيان! هل رأيت بعمرك أحدا ينسى طريق بيته! فبالتالي هذا مصفاة، على حد قولهم، كلما تصب فيه، ينزل منه، مهما يدرس ينسى. ومع ذلك، وصل إلى هذا المستوى.

وأما فقرة، ما قالوا: من أنه كان لا يملك قبل زواجه إلا ثوبا واحدا فقط، فإذا تنجس هذا الثوب، غسله وظل ينتظر حتى يجف، ثم يذهب فيه إلى الدرس. وأما وسائل التحرير، يعني: أقلام، ودفاتر، وأوراق، فما كان عنده. بل كان يلم الأوراق الموجودة في الطريق، وأحيانا بعض أوراق الشجر العريض، ويكتب عليها.

والحال في زمن العلامة المجلسي، كان الورق منتشرا، وليس مثل أزمنة وعصور الإسلام الأولى، فقد كان هناك أوراق وكتب ومحابر، لكنه كان فقيرا، لذلك كان يكتب على مثل هذه الأشياء، افترض: كيس اسمنت على سبيل المثال، أو ورقة مذبوبة في الطريق أو بعض أوراق الشجر العريضة.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٥

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة