فلو أتوا بها إلى جانب أحد أو إحدى، من عنده سمع وعنده بصر وعنده فؤاد، وعندها، ومع ذلك لا يعرفون من العلم شيئا، وكسلوا حتى عن تعلم مسألة شرعية، ومسألة عقائدية، ومعلومات عن هذه الدنيا، فهذه واحدة وأولئك آحاد. وهذان نموذجان، يتبين فيهما أن القضية مربوطة بالنشاط. فمتى ما ترك الإنسان الكسل، ومتى ما تحرك بنشاط، وعمل، ودأب، فإنه يصل إلى نتائج عالية. في أي مجال، أنت تذهب، لنفترض إلى الشركة الفلانية، فحاول أن تأخذ الخبرة من تلك الشركة، أن تأخذ علم ذلك المجال إلى آخره. وأن تشتغل في مؤسسة مالية، فحاول أن تحصل علم في هذا المجال الاقتصادي، وحركة المال، واستثماره، إلى آخر مدى تستطيع. أنت تشتغل في مجال بترولي، فحاول أن تصل إلى علم ذلك الشيء إلى آخره، فإن استطعت بشكل مباشر، أو عن طريق الانترنت، أو مطالعة كتب، أو غير ذلك. فكلها طرق جيدة.
ولا تكن إنسانا بلا همة، وليس عنده طموح. هذا هو دخل إلى هذا المؤسسة وهذا الشغل وهذا المجال، فهو هو، ربي كما خلقتني، وكما جئت بي إلى هذا المكان. فالمطلوب إسلاميا، حتى في حال فراغ الإنسان، وقعوده وصمته، أن يحرك فكره على الأقل. أنت جالس في مكان، ليس عندك حالة حركة ونشاط بدني، فماذا يقول لك القرآن؟ يقول لك الإسلام، ماذا؟ حرك عقلك. ليكن عقلك وذهنك جوالا، نشطا، حيويا؛ لذلك تجد القرآن الكريم يدعو إلى التفكر، (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ)، عاقبة الظالمين، المفسدين، المجرمين، المنذرين، المسرفين. فكر في العواقب، فكر في النتائج، فكر في المعادلات، فكر في النظريات.
بعض علمائنا الذين نبغوا بشكل كبير، كما نقل في حياتهم، قيل له: أنت ليس معلوما عنك أنك درست دروس كثيرة، وعند معلمين كثر، مع ذلك هذا النبوغ الذي عندك، تجاوزت به أقرانك. فقال: نعم؛ لأنني حتى وأنا عند القصاب، فكري ينظر ويعمل. وأنا في السوق، أريد أن أشتري شيئا، ذهني يفكر في قضايا علمية.
الإنسان المؤمن ينبغي أن لا يتزيا بزي الكسالى، بل أن يطلب العلم، سواء كان العلم الدنيوي، أو العلم الديني. بنشاط، بحيوية، فلا يجعل جانب التواني، جانب التفريط، جانب التضييع، هو الحاكم عليه.
القرآن الكريم، يؤكد هذا المعنى، فيقول: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)، الكدح: هو شدة العمل، وكثرته. أرأيت ذاك الذي يريد أن يكسر حجارة، كيف يفعل، بأي همة، وبأي قوة؟ هذا هو الكدح. ففي حياة الإنسان المادية المعيشية مطلوب منه (إِنَّكَ كَادِحٌ). في حياته في طلب العلم والمعرفة، مطلوب منه: (إِنَّكَ كَادِحٌ)، في العبادة، وسيأتي إن شاء الله حديث عنها مستقبلي، أيضا مطلوب من الإنسان فيها، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ).
فأحيانا تجد قسما من الناس، يقول لك: أنا ذهب إلى فلان مكان أضيع وقتا. أنت هكذا تضيع عمرك، لا تضيع وقتا. أنفاس عمرك - يقول الشاعر الدمستاني - أثمان الجنان فلا .. تشري بها لهبا في الحشر تشتعل.
هذا العمر، هو أيام. فإذا مضى هذا اليوم، من دون نشاط من دون إنتاج من دون فائدة، يكون مضى من عمرك، "يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّمَا أَنْتَ عَدَدُ أَيَّامٍ، فَإِذَا مَضَتْ، مَضَى بَعْضُ عُمْرِكَ). أرأيتم الساعة الترابية، التي فيها كفتين، من الأعلى كفة، ومن الأسفل كفة، وفي الوسط هناك ممر صغير، وكل حبة رمل تنزل، تنتقص من ذلك المخزون. كل يوم، كل ساعة، كل دقيقة من عمرنا، تمضي، يمضي بعضنا، جزء من عندنا. لذلك ينبغي أن يجهد الإنسان نفسه، وأن يسعى، وينشط من أجل أن يعوض ما يفقد من العمر، وهو طبيعي. فما عندنا طريقة لإيقاف أيامنا.