الآية الأخرى: في يوم القيامة: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا)، أي: الله وعدنا الرحمة والمغفرة والجنة. ورأينا كل هذا الكلام كلاما صحيحا، وأنتم أيضا كنتم موعودين بالعذاب وجهنم، فهل رأيتم ووجدتم هذا الوعيد حقا؟ قالوا: نعم، حتى نحن رأينا. (فأذن مؤذن بينهم)، ماذا قال: (أن لعنة الله على الظالمين).
في هذه المواقع، في مثل الانتصار في طوفان نوح، حيث تتجلى فيه عظمة الله وقدرة الله، في مثل يوم القيامة، يوم الجزاء والقصاص، في ذاك المكان، النداء الأصلي: (أن لعنة الله على الظالمين)، أو (بعدا للقوم الظالمين). وهناك موارد أخرى متعددة. لا نشير إليها الآن.
وأما في الحديث عن نبينا محمد (ص)، فقد قال فيما نقل عنه: "بين الجنة والعبد سبع عِقاب"، عِقاب: جمع عقبات. عقبة تجمع على عقبات، وعلى عِقاب. "أهونها: الموت"، أعاننا الله وإياكم عليه، وثبتنا الله وإياكم بالقول الثابت لديه. "قيل"، أحدهم سأل: "يا رسول الله، فما أصعبها؟"، العقبات أهونها الموت، أصعبها ماذا؟ قال: "الوقوف بين يدي الله عز وجل إذا تعلق المظلمون بالظالمين". فالآن هنا تذهب وراء المحكمة، تطارد، تعالج، تصعد، تنزل، فلا تحصل على نتيجة. تقول: أنا لن أسامح هذا، وموقفي معه في الحساب. هناك يأتون به ويتعلق هذا المظلوم بذلك الظالم. يا رب هذا ظلمني، خذ بحقي. هذه أصعب العقبات، بحيث يكون الموت بالقياس إليها شيئا هينا.
نقرأ في الدعاء: "كيف وما بعد الموت أعظم وأدهى"، واحد من الدواهي والعظائم: هو عندما يتعلق المظلومون بالظالمين. ما قيمة الألف ريال وقد علقت أحدهم بك يوم القيامة بين يدي الله عز وجل؟! ما قيمة شتيمة وسبة وحكاية فعلت بك ذلك؟! أنها أعظم العقبات التي يعود الموت بالنسبة لها شيئا بسيطا، فماذا تساوي تلك، حتى أسب فلانا، ألعنه، أشتمه، أتآمر عليه، أضربه، ما قيمة أن يجرك ذلك يوم القيامة من مكان لمكان، ومن ملك غليظ إلى ملك أغلظ، حتى يوقفك بين يدي الله عز وجل؟!
هذه النفس، التي تدفعك أن تأخذ لأجلها ألف ريال، هي نفسها التي ستلبث أحقابا في ذلك اليوم على أثر الظلم. فلو هذا الإنسان عاقل، ولو يحسب القضية حسابا تجاريا، إذ لا يحتاج أن يحسبها حسابا أخلاقيا ودينيا، يكفي أن يحسبها حسابا تجاريا؛ ليجد: أن ألف ريال، كم ارتاح فيها؟! اشترى بها ٥، ٦ وجبات! وعزم له جماعة في جلسة واحدة! انتهت الألف ريال. لكن هناك يجرونه بين الخلائق مفتضحا، وبين يدي الله خجِلا، فما قيمة ألف ريال حينئذ أن أظلم بها غيري؟!
وأسوأ من هذا ما جاء في الحديث الآخر، عن النبي: "إنه ليأتي العبد يوم القيامة، وقد سرته حسناته"، كم صلينا، وكم صمنا، وكم ذهبنا للزيارة والعمرة، وأخرجنا صدقات، جمعناها، حسبناها، وضاعفناها عشرا؛ باعتبار الحسنة بعشر أمثالها، فهذا شيء عظيم جدا. "وقد سرته حسناته، فيجيء الرجل"، عامله، أو المرأة: زوجته، أو ابنه أحيانا، أو ابنته، أو جاره، "فيجيء الرجل، فيقول: يا رب ظلمني هذا"، هنا لا يحتاجون أن يتحققوا من الأمر، القضية مسجلة، أين المهرب؟! فيؤخذ من حسناته لتُجعل في حسنات الذي سأله. وهذا شيء مخفف. وإلا، إذا ذاك لم يقبل، كانت الورطة.
"فما يزال كذلك، حتى ما يبقى له حسنة". يظهر أن من استدان منهم كثر، "فإذا جاء من يسأله نظر إلى سيئاته"، الآن نفدت الحسنات، وهو بعده لا يزال يقضي ديونه. فإذا أتى أحدهم، وقال: أنا أيضا هذا ظلمني، اجعلوا لي من حسناته. يقولون له: رصيده في الحسنات نفد، فماذا نصنع؟ يقول: أقبل بأن تزيلوا من سيئاتي، وتجعلوها على سيئاته. مثلا: ١٠٠٠ سيئة من سيئاتي أنا الدائن، أنا المظلوم، اجعلوها عليه، هذا الذي استدان مني. وهذا ليس عنده طريق إلا هذا. فيجعلون على سيئاته من سيئات ذاك.