الظلم ظلمات يوم القيامة ٢٤

الظلم ظلمات يوم القيامة ٢٤
00:00 --:--

المهم، فقال له: عظني يا أبا ذر، فقال له أبو ذر: المواعظ كثيرة، بماذا أبدأ، وماذا أترك، لكن إن شئت أن لا تظلم أحب الناس إليك، فافعل. أن لا تؤذي أحب الناس إليك، فافعل. قال: ويؤذي الإنسان أحب الناس إليه؟! ويظلم الإنسان أحب الناس إليه؟! عادة الإنسان لا يظلم حبيبه، يظلم أحدا مثلا بعيدا عنه، عامله. أما أحب الناس إليه، يظلمه ويؤذيه! لا يفعل.

قال: ويفعل ذلك؟ قال: بلى، نفسك التي بين جنبيك. لا تؤذي نفسك، لا تظلم نفسك. فتأتي يوم القيامة وتكون قد عملت أعمالا سيئة، فتعرضها للعذاب. والنفس هي أحب شيء للإنسان، أنت لماذا تسعى، لماذا تركض، لماذا تجتهد، لماذا تسترزق؛ من أجل أن تشبع وأن تستمتع، وأن تعيش مرفها. فأحب الناس إليك نفسك. لا أحد يحب أحدا أكثر من نفسه، إلا إذا كان على درجة عالية من الإيمان، كما ورد: "لا يؤمن أحدكم"، يعني: تمام الإيمان، كما ورد في الخبر عن رسول الله (ص)، "حتى أكون أحب إليه من نفسه". وهذه أعلى درجات الإيمان، أن يفضل الإنسان النبي على نفسه خاصة.

وقد يكون هناك ظلم للغير، ظلم في الحياة الاجتماعية، داخل الأسرة. فالزوج قد يظلم زوجته، والزوجة قد تظلم زوجها، والأب أبناءه، والأبناء يظلمون أباهم. وفي خارج الأسرة، والأخ أخته، وبالعكس. وسنتعرض إن شاء الله إلى هذه الجوانب بشكل مفصل. وقد يظلم الإنسان في حياته الاجتماعية، لديه عامل، فيؤخر راتبه، يجحده حقوقه، لا يعطيه ما يجب عليه. أو بالعكس أحيانا، العامل يظلم رب العمل، بسرقة شيء من المتاع، بالتقصير في العمل، بالغش فيه، هذه كلها أنواع من الظلم الاجتماعي.

وقد يكون ظلم سياسي بين الرعية وحاكمها عندما يستبد بالأمر دونها، أو يحتجب أموالها، وهذه الأمور من الظلم السياسي. وسوف نتعرض لهذه الأقسام إن شاء الله مستقبلا. ولكن نشير إلى بعض ما ورد في النصوص الدينية، من القرآن الكريم، ومن أحاديث أهل البيت (ع)، في التحذير من الظلم؛ لكي نردع أنفسنا عنه.

من الموارد التي تلفت النظر، أننا نجد في القرآن الكريم، كلاما شديدا ضد الظالمين في أوج تجلي قدرة الله. مع أنه - بحسب الظاهر - لا يوجد هناك مناسبة ظاهرية، لكن كأنه لأجل أن يتبين للناس مدى شناعة الظلم وقبحه في أعظم المواقع التي تتجلى فيها قدرة الله عز وجل، يأتي نداء: (بعدا للقوم الظالمين)، (لعنة الله على الظالمين).

من ذلك ما ورد في الآية المباركة، في قصة الطوفان. إذ بعدما انتهى الطوفان، (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي)، هي بحسب التعبير، قد أسدل الستار على موضوع الطوفان. تجففت الأرض، وابتلعت المياه التي كانت في موج كالبحار، والسماء توقفت عن الإمطار، واستوت السفينة على الجودي. فيكون المناسب الآن، مثلا، أن يحمد الذين وصلوا هذا المكان من المؤمنين سالمين غانمين، وقيل الحمد لله رب العالمين. هذا مكانه. أو - مثلا - يشار إلى نصر الله عز وجل هنا لنبي الله نوح والمؤمنين الذين معه. لكن، بعد أن حدث كل هذا، نجد بأن هناك نداء بـ: (بعدا للقوم الظالمين).

(وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين)، الآن (القوم الظالمين) هنا بمعنى: الكافرين، كما ورد في آية أخرى: (والكافرون هم الظالمون)، أو المشركون: (إن الشرك لظلم عظيم)، أو لا، الظَلَمَة، سواء كانوا يظلمون أقاربهم أو الأباعدة عنهم، أو حتى أنفسهم. المهم: كل من يصدق عليه أنه ظالم (بعدا للقوم الظالمين). وبعدا، يعني: مثل لعنة الله. لأن اللعن: هو الإبعاد والطرد. هذه آية.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٥

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة