٢٢ الظلم ظلمات يوم القيامة
كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال
نتحدث اليوم بإذن الله عن أحد الأمراض والأخلاق الذميمة، وهو: الظلم. الظلم، مما ورد النكير عليه في القرآن الكريم كثيرا، وفي الروايات أكثر. ومعناه واضح، ولكن مصدره - كما يقول، صاحب كتاب معجم مقاييس اللغة: الظاء، واللام، والميم - مصدر لأحد معنيين. المعنى الأول: ما هو ضد الضياء. مثل: ظلام، وظلمة، وظلمات، ومظلم. هذه من نفس المصدر، من نفس الفعل: ظاء، ولام، وميم. لكنها تذهب باتجاه ما يخالف الضياء. تقول: الليل مظلم. وتقول: ذهبت في ظلمات، وهكذا. في القرآن الكريم استُعمِل هذا كثيرا: (يخرجهم من الظلمات إلى النور)، هذا معنى من المعاني، وهو: وضع الشيء في غير موضعه. فهذا ظلم أيضا.
فلو أن إنسانا قسم الميراث مثلا بغير الفريضة الشرعية، فنقص من نصيب زيد، وزاد في نصيب عمر، فهذا ظلم بالنسبة إلى زيد. ولعل هذه المناسبة في أن يقترن المعنيان. حتى في الأحاديث، كما في حديث عن مولانا وسيدنا محمد (ص)، وعن غيره من المعصومين أيضا، هو وارد: "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ". فجمع هنا الظلم، بمعنى: وضع الشيء في غير موضعه، عامل لديك. إذا تريد أن تضع الشيء موضعه، فهو: أن لا تكلفه خارج الاتفاق. فإذا كلفته خارج العقد والاتفاق بغير رضاه، وبغير أجر، فهذا ظلم. نفسه هذا، يصبح ظلمات يوم القيامة. كأنما يوم القيامة يحتاج الإنسان إلى نور: (الذين آمنوا يسعى نورهم بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم) في ذلك اليوم، بينما هذا الذي يظلم، يعوض بهذا الظلم ظلمات. فيدخل في ظلمة ويخرج من أخرى. فالظلم ظلمات.
والظلم له تقسيمات متعددة. فتارة يكون بالقياس إلى طرف آخر، فمثلا: هناك ظلم تجاه الله عز وجل. فالإنسان الكافر بالله عز وجل، هو ظالم لله سبحانه. صحيح أن الله لا يتأثر، ولا يتغير، ولا يرد عليه النقص، ولكن هذا الكافر ظالم. ولقد عبر القرآن الكريم، في أكثر من آية من الآيات عن هذا المعنى، فقال: (والكافرون هم الظالمون). لماذا؟ لأنه وضع الشيء في غير موضعه.
فكان ينبغي أن يعترف لله عز وجل بالإلهية، بالوحدانية، بالربوبية، بالتدبير، فيخضع لله، يؤمن بالله، يعترف لله عز وجل، لكنه لم يصنع هذا، فهو قد أبدل كل هذه الأمور بالجحود، بالنكران، بعدم الاعتراف، بترك العبادة، هذا إنسان ظالم. لأنه قد وضع الشيء في غير موضعه. فمكان العبادة والاعتراف جعل الجحود والنكران، ومكان الخضوع والثناء على الله سبحانه وتعالى فيما أعطى وخلق، ترك ذلك وأبى واستكبر وكان من الكافرين. فهذا قد يكون ظلم تجاه رب الخلائق سبحانه وتعالى.
بل، حتى لو لم يكن هناك جحود، أو إنكار، وإنما كان عدم إفراد له بالعبادة، وجعل له شريكا مثلا، جعل له نظيرا، جعل له ندا، فحتى هذا أيضا يعتبر ظلما، كما قال لقمان لابنه: (لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم). فأنت تضع من لا يستحق شيئا إلى جانب صاحب القدرة المطلقة. وتجعل الأوثان وتجعل الأصنام البشرية والحجرية إلى جانب ربك. وهذا وضع للشيء في غير موضعه. وهذا قد يكون ظلما من الإنسان لخالقه وربه.
وقد يكون ظلما لنفس الإنسان. فالإنسان قد يظلم نفسه أحيانا. وذلك عندما يجعلها في غير موضعها. فالمفروض، هذا الإنسان خلق لأجل عبادة الله، (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). فإذا جعل الإنسان نفسه، في غير هذا المقام، عصى الله، وعمل السيئات، وترك الواجبات، فإنه يكونوا قد ظلم نفسه بإقبالها وتركها على المنكرات. فلماذا يكون ظالما لنفسه؟ لأن هذه النفس سوف تكون معذبة.
نقل أن أحدهم سأل أبا ذر الغفاري – رضوان الله تعالى عليه – صاحب رسول الله، المخلص، فقال له: "يا أبا ذر، عظني"، أي: اعطني موعظة. فلو لاحظنا، لوجدنا أن في أزمنة النبي والأئمة، كان هذا الأمر شائعا: أن شخصا يأتي إلى شخص آخر، ويقول له: عظني. ليس بالضرورة أن يكون عالم دين. لا، واحد مثله. فهذا قد يكون صحابيا، وهذا صحابي أيضا. هذا تابعي وهذا تابعي. كأنما الإنسان يستشعر أنه يحتاج إلى موعظة، فيطلبها. أما في أزمنتنا، فهذا الأمر صار بالعكس، بحيث إذا أحدهم جاء إلى مجلس فيه موعظة، قال: ما هذه الدوخة التي تورطنا فيها. فأصبح ذكر الوعظ ذكرا غير حسن. بل في بعض الأحيان، لا سيما في بعض الكتابات، إذا إنسان أمر بشيء حسن، يكتب الآخر، يرد عليه: "لا تصير براسي واعظ". لماذا؟ ماذا تعني: "لا تصير براسي واعظ"؟! فأنت تحتاج إلى الموعظة، وأنا أحتاج إلى الموعظة، والجميع يحتاج إلى الموعظة. يحتاج الإنسان أن يعرض نفسه بالموعظة، حتى هو يعظ نفسه. فإن الموعظة، هي فعل الله. (يعظكم به)، الله هو الواعظ الأول. والقرآن الكريم، يتحدث النبي عنه في هذا، يقول: (وموعظة للمتقين).