الظلم ظلمات يوم القيامة ٢٤

الظلم ظلمات يوم القيامة ٢٤
00:00 --:--

يأتي أحد آخر بنفس الشيء. "فلا يزال يستوفى منه"، دائنون يأتون، يقولون: أنت لا حسنات عندك حتى تعطيها، فيؤخذ من سيئاتهم، حتى يتنازلوا عن دعواهم. "فلا يزال يستوفى منه حتى يدخل النار". فما قيمة أن يظلم أحد إنسانا. يقول أمير المؤمنين: "وكيف أظلم أحدا لنفس يُسرع إلى البلا قفولها". فأنا أظلم لماذا؟ حتى أتنعم، حتى ترتاح نفسي، وآخذ أموالا حتى ألبس لباسا جيدا، وأغصب أرضا حتى أسكن في مسكن جيد. لكن هذه النفس ليست باقية، "لنفس يُسرع إلى البلا قفولها ويطول في الثرى حلولها". ثم في يوم القيامة، ينادى علي، هات حسناتك. نفدت. استلم سيئات، ثم نار جهنم، نعوذ بالله.

والحديث الذي أختم به، مع أنه يوجد الكثير من الأحاديث، لكن هذا حديث مهم. عن النبي محمد (ص)، قال: "الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه شيئا، وديوان لا يغفره الله". أي لا تفاهم فيه أصلا. فبه محكوم على هذا الإنسان. "فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك"، إذا يشرك إنسان بالله شيئا، فليس من تفاهم بعد معه، مباشرة: إلى نار جهنم، لا كلام معه أبدا. قال الله تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم عليه الجنة).

وأما الديوان، هذا مهم، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء الله كما في الخبر. يقول: هذا الديوان ليس مهما كثيرا عند الله، فصلاتك، لو يوما من الأيام نقصت، وضوؤك يوما من الأيام كذا، فإن شاء الله، الله يغفر لك. فلا تتصور أيها المؤمن أنه لا بد أن تدقق كثيرا في الماء، هل وصل أم لا. دقق في حق الغير، هل وصل إليه أم لا.

كم يسأل الإنسان سؤال: إذا توضأت هكذا، وإذا صليت هكذا، وإذا قلت كذا، وفعلت كذا، متصورا السماء ستنطبق على الأرض لأجل هذا. ولكنه للتو ظلم زوجته، وأخذ مال أخيه، وظلم عامله، وأخر راتب موظفيه، فلم يحركه ذلك في شيء. الحديث - وهو متكرر، عن النبي، وعن أمير المؤمنين - يقول له: أنت لما تظلم نفسك فيما بينك وبين ربك، فتقصر في صلاة، صوم، إلى آخره، فهذا الملف بيد الله عز وجل. إن شاء الله يتجاوز عنك، أو شفاعة تدركك. وليس معنى هذا، لا بأس لو قصر الإنسان في صلاته وصومه، لا. ولكن يريد أن يقول هذا الحديث له: أن هذا فيه مجال أن يعفو الله عنك في ذلك. فمسيرتك العامة مسيرة صحيحة، لكن لديك تقصير في بعض الأحكام، وهذا فيه مجال، أن يغفره الله ويتجاوز عنه إن شاء الله. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا. "القصاص لا محالة"، يقول الحديث الشريف.

فإذا لا تعتبر كثيرا لأمر من أنت مستأجر عنده، ولم تدفع له الأجرة، فتقول له: "يا اللا مشيها"، فإذا أتى وتكلم عليك وكذا، تقول: "أوه خبصتنا"، "إي نعم يخبصك، ليش ما يخبصك". فأنت في هذه الحالة، صلاتك مشكلة، أعمالك العبادية التي ترتبط بهذا المكان مشكلة. أنت تظلم غيرك. فالقصاص - يقول الحديث - لا محالة. هذا الملف لا يترك منه ولا نقطة. فذاك الملف العبادي فيه مجال. الملف الاعتقادي لا، نهائيا أصلا لا يطالعون فيك بسببه. شرك، إذن إلى نار جهنم، لا كلام أبدا، فقد حرمت عليك الجنة. أما هذا فحقوق العباد، يستقصونها ملفا ملفا نقطة نقطة قضية قضية، ويستوفونها منك قصاصا لا محالة، بالطريقة التي ذكرناها في الحديث السابق.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٥

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة