ثم قال يحيى ابن أكثم : وقد روي أن مثل أبي بكر وعمر كمثل جبرائيل وميكائيل في السماء [٨] فقال الإمام عليه السلام : ( وهذا أيضا يجب أن يُنظر فيه لأن جبرائيل وميكائيل ملكان لله مقربان لم يعصيا الله قط ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة ). نحن ليس عندنا تهجم على هذا الشخص أو ذاك , ولكن عندنا اعتراض على هذا الحديث , من البداية قال الإمام عليه السلام أنه ليس له شأن بإنكار فضل فلان أوغيره , ولكن هذا الحديث وغيره لا بد أن يُعرض على كتاب الله وسنته , فأبي بكر وعمر كانا قبل الاسلام على غير تلك الحال فكيف يصح التشبيه بجبرائيل وميكائيل , لذلك بعض المحققين من غير أتباع مذهب أهل البيت عليه السلام لم يقبلوا هذا الحديث لجهة سنده , لكن الإمام عليه السلام يرى أننا لا نحتاج إلى هذا , بل نحتاج إلى قياس واستدلال عبر القرآن الكريم والسنة النبوية .
هذا نموذج من النماذج التي جعل الإمام عليه السلام المدار على الاستدلال في بعض القضايا العقائدية واحتكم إلى العقل , وقاس ذلك إلى أصول الاسلام إما الكتاب العزيز أو ما ثبت قطعًا بالسنة النبوية على مشرفها آلاف التحية .
النموذج الثاني في مجال الفقه :
أجرى الإمام الجواد عليه السلام نفس القاعدة , استدل نفس الاستدلال في القضية التالية - وإن كان في اعتقادنا أنه لا يحتاج أن يستدل فنحن لا نطالب الإمام بالدليل إذا جاء بحكم أو قضية , لأننا نعتقد أن منزلته في التبليغ عن الله كمنزلة رسول الله , الذي لا يسأله شخص لماذا نصلي بهذا النحو , ونحج بهذا النحو ... فلا نسأله ما دليلك على ذلك ( ما آتاكم الرسول فخذوه )[٩] كذلك اعتقادنا بالنسبة إلى أئمة الهدى صلوات الله عليهم أجمعين , نعم هم أمرونا بأنهم إذا حدثونا بحديث نسألهم أين هو من كتاب الله . وهذا الأمر يستهدف عدة أغراض , إحداها هو أن يوصل لغير شيعته أن كل كلامنا مستنبط من القرآن ولا يختلف عنه , وهذا معنى حديث الثقلين ( لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)[١٠] لن يفترقا في التوجه والاحكام , والعقائد .
وليتعلم شيعة أهل البيت عليه السلام كيف يستنبطون من القرآن , طبعًا لن يستطيعوا الوصول إلى كل ما وصل إليه الإمام عليه السلام لكن يعلم فقهائهم والمتخصصين منهم ؛ أسلوب و طريقة الاستدلال .
النموذج الثاني ينقله العياشي[١١] في كتابه في التفسير هذه الرواية عن زرقان صاحب ابن أبي دؤاد , أحمد بن أبي دؤاد الايادي قاضي القضاة الاكبر في زمان المعتصم , كان من خاصة المأمون ومعتزلي الهوى , شديد التعصب , وقد تورط في مطاردة أهل الحديث وكل من خالف نظرية المعتزلة , في قضية خلق القرآن وقِدَمه , وصفّاهم تصفية ؛ سجن , قتل , تشريد .. كان قاسيًا جدًا في هذا الأمر[١٢] , وقد دخل في معركة طاحنة مع الحنابلة الذين أصابهم الأذى الشديد بسببه , وللأسف الحنابلة نفسهم عندما انعكست الآية قاموا بنفس الأفعال التي قام بها المعتزلة في حقهم .
نحن نعتقد أن هذا المنهج خاطئ , فإذا كنت شيعيًا وغيرك غير شيعي , لماذا تضطهده ؟ وتعتدي عليه ؟ وإن كان يختلف معك في الرأي ولا يؤمن بأئمتك , والعكس أيضًا صحيح ؛ إن كنت غير شيعي وعندك سلطة , قوة , قدرة وتقوم باضطهاد من يخالفك في الرأي وتؤذيه في حياته , هذا منهج خاطئ من قِبل أهل الدين والمعرفة , فأنت ميدانك هو الكتاب والحجة والبرهان , وليس السجن والضرب والقتل والوعيد وما شابه ذلك .
أحمد ابن أبي دؤاد اختص به المعتصم في كل اموره , وبعضهم يقول : وفُتن المعتصم بابن أبي دؤاد حتى ما كان يرد له طلبًا , وكان يقول فيه : هذا الذي يُتزين بمثله ويُبتهج بقربه , ويُعد به ألوف من جنسه .