من منهج الاستدلال عند الامام الجواد عليه السلام

من منهج الاستدلال عند الامام الجواد عليه السلام
00:00 --:--

سنتعرض إلى نموذجين في هذه المسألة حتى نبين كيف أن الامام الجواد عليه السلام كان يخوض احتجاجات ومناظرات في العقائد وهو في سن ٢٢ أو ٢٣ سنة في زمان المأمون سنة ١١٨هـ وما بعده .

النموذج الأول في مجال العقائد :

حصلت حادثة مشهورة مع القاضي يحي بن أكثم[٥] - وكان رجل كبير في السن ويعتبر من علماء مدرسة الخلفاء الكبار- وقد حضر الامام عليه السلام في مجلس المأمون , وأراد ان يمتحنه , فسأله : يا بن رسول الله ما تقول في محرم قتل صيًدا , طبعًا الامام الجواد أظهر له من تفريعات الحكم ما أعجز يحيى بن أكثم عن تخيله وتصوره . والان حضّر له قضية أخرى حساسة , في مكان فيه جماعة من الفقهاء , وهي ما يرتبط بمنزلة الخلفاء , وهذا من الموضوعات التي فيها حرج لا سيما في حضور أحد الخلفاء العباسيين- والذين هم من زمن المنصور العباسي انتهجوا منهجًا عنيفًا ضد الهاشميين , وبالذات تجاه أمير المؤمنين عليه السلام , وكي يعوضوا ذلك لا بد أن يرفعوا بقية الخلفاء حتى ينزلوا من مقام الامير عليه السلام فأخذوا يرفعون من كان إلى جانبه .

يحيى بن أكثم في حضور الخليفة والفقهاء وعامة العباسيين من وزراء وأمراء , والامام الجواد في ذلك الوقت في العشرينات - يحيي بن أكثم من مواليد ٦٠هـ يعني عمره أكثر من ٧٠ سنة أي أن الامام الجواد عليه السلام من حيث السن بعمر أحد أولاده - فذكر يحيى بن أكثم هذه المسألة : ما تقول يا ابن رسول الله في الخبر الذي روى أنه :( نزل جبرائيل على رسول الله - صلى الله عليه واله - وقال يا محمد إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك سل أبا بكر هل هو عني راض ؟ فإني عنه راض) [٦] – هذا الحديث موجود في تراث المدرسة الاخرى – . لاحظ أن الامام لا يُجيب باستهزاء وسخرية ولا بأن السند ضعيف – وهذه هي النقطة المهمة التي أردت أن أشير إليها – فالجمع الحاضر ضمن أجواء المعتزلة التي تطالب بالبرهان والدليل العقلي أو المستند إلى الكتاب , أي شخص غير الإمام يستطيع القول بأن سنده ضعيف , وينهي المسألة , الامام يريد شيئا أبعد من هذا.                                                                                                                     فقال أبو جعفر عليه السلام [٧]: ( لست بمنكر فضل أبي بكر, ولكن يجب على صاحب هذا الخبر أن يأخذ مثال الخبر الذي قاله رسول الله في حجة الوداع ؛ قد كثرت عليَ الكذابة , وستكثر بعدي وليس يوافق هذا الخبر كتاب الله عز وجل , قال الله تعالى :( ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن اقرب إليه من حبل الوريد( فالله عز وجل خفي عليه رضى أبي بكر من سخطه حتى سأل عن مكنون سره !) في زمان النبي يقول الان كثرت عليَ ,إذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله وسنتي فما وافق كتاب الله وسنتي فخذو به وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به – إذا شيء موافق للأصول القرآنية والسنة الثابتة القطعية أهلا وسهلا , وإذا لم يوافق أيا منهما فلا تأخذوا به , ما معنى أن صاحب الخبر يقول عن الله أنه يريد أن يعلم هل أبو بكر راضٍ عنه أم لا !!   الله الذي يعلم ما في الصدور , وما توسوس به نفسه قبل أن يظهر في هيئة الكلام , هذا الحديث لا يتفق حسب هذه الرواية مع القرآن الكريم , ومستحيل في العقول .

هذا غير منهج صاحب كتاب ميزان الاعتدال الذي يقول هذا الخبر ضعيف وضعفه لأجل فلان .

حتى لو كان رواة هذا الحديث كلهم ثقات , نحن لا نقبل هذه الرواية لأنها مخالفة لكتاب الله . هنا يتبين أن استدلال الامام لا ينفعك فقط في هذا المكان بل أيضا في كل مكان .                                                                      

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة