التشكيك وسوء الظن في المجال الاجتماعي ٢١

التشكيك وسوء الظن في المجال الاجتماعي ٢١
00:00 --:--

المسلم ينظر إلى عامة المسلمين بحسن الظن، ويتعامل معهم على هذا الأساس. إلا في موارد معينة. الأول: إذا غلب الفساد، غلب الجور، غلب الانحراف على مجتمع في فترة زمنية معينة، فهنا يحتاج أن يحتاط، لا أن يشكك في كل أحد، لا. يحتاط لنفسه. فلا يسترسل، ولا يغمض. والمورد الثاني: في المعاملات المالية. لا أن يقول: الحمد لله هؤلاء من أطايب الناس ... وإلى آخره، لا بأس، سأعطيهم هذا المقدار من المال دون آن آخذ منهم وصلا. لا. فحتى لو كنت تحسن الظن بالمسلمين ينبغي أن تستوثق في المعاملات. ولدينا قاعدة قد ترتبط بهذا الموضوع، وتفسير للآية المباركة التي ذكرنا أول الحديث، الآية المباركة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)، لاحظوا القرآن الكريم ما قال:

اجتنبوا الظن، وما قال: اجتنبوا كل الظن، وإنما كثيرا من الظن. وتعليلها: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ). فالظن المقصود هنا بالاجتناب، هو: الظن السيء. أي الظن السيء مأمور الإنسان بالاجتناب عنه. وهو ناتج عن ماذا؟ عن الشك. أن الإنسان يشكك في هذا، في إيمانه، في تدينه، في عمله، في فعله، هذا إنسان ليس ملتزما، لا يعمل طبق الشرع، لا يعتمد عليه، وكذا. فيقول: (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ). فالظن الحسن – مثلا - مدح في القرآن الكريم: (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا). هنا القرآن يمدح ظن المؤمنين بعضهم ببعض الخير، وظن المؤمنات بعضهن بالبعض ظن الخير. فحسن الظن هذا مطلوب وممدوح هنا. لكن في مكان آخر، يذم ظن السوء: (وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا). هناك، هذا المقدار من

الظن السيء مذموم. هذا المقدار من الظن الحسن ممدوح. لذلك لا يقول: اجتنبوا كل الظن؛ لأن بعض الظن جيد، لا تجتنبوه. كظن المؤمنين الخير ببعضهم البعض. بل أكثر من هذا، كما عندنا في التوجيهات الأخلاقية، عن أمير المؤمنين (ع): "احْمِلْ عَمَلَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ، حَتَّى يَأَتِيكَ مَا يَصْرِفُكَ عَنْهُ". هو يعمل عملا معينة، وأنت بين أن تظن فيه ظنا سيئا أو ظنا حسنا، بين أن تقول: هذا يعمل كذا ليستولي على أموال الناس، أو أن تقول: لا، الرجل يطلب الخير بعمله. فلا تظنن بكلمة منه صدرت سوءا وأن تجد لها في الخير محملا. بل أكثر من هذا، رتب على هذه الفكرة، وعلى هذه الآيات والروايات، علماؤنا، قواعد فقهية. لدينا من القواعد الفقهية قاعدة تسمى: حمل فعل المسلم على الصحة. هذه

قاعدة فقهية. ولولاها لما أمكنك أن تقوم بمعاملة من المعاملات. الآن، أنت تذهب لشراء سيارة من السيارات في السوق، فتسأل: بكم هذه السيارة؟ فيقال لك: بعشرين ألف. تسأله: هذه سيارتك؟ يقول لك: نعم، وهذه أوراقها موجودة. فتشتريها منه وتعطيه الثمن. حسنا، ألا يحتمل أن هذا سارق للسيارة؟ يحتمل. وأن هذه الأوراق أعدها بطريقة ما؟ يحتمل. لكنك لا تسأله من أين لك هذه السيارة؟ من أي مكان اشتريتها؟ أمهلني أسأل البائع إذا حقا أنت اشتريتها أم لا. ثم نفس الكلام في البائع الذي باعها من قبل، من أين له هذه السيارة؟ وهل انتقلت إليه بوجه شرعي أم لا. وإن قال: أنا أخذتها ميراثا من أبي. فأذهب لأحقق هل فعلا كانت هذه السيارة جزء مواريث أبيه؟ إذا الأمر هكذا، فلا نستطيع القيام

بأي معاملة أصلا. امرأة تريد أن تتزوجها، وتعلم أنها مطلقة، طلقها فلان، زوجها السابق. فبمجرد أن تعرف هذا، يجوز لك أن تتزوجها، إذا هي قد خرجت من عدتها. لكنك لا تذهب لزوجها قبل ذلك وتسأل هل جلب شهودا وقت الطلاق؟ ولا تسأل من هم أولئك الشهود؟ ولا تحقق فيهم: فإذا لم يكونوا عدولا، فهذا الطلاق غير صحيح، عرفني أسماءهم. أو تسأل: هل كنت في وقت الطلاق على غير حيض أو نفاس؟ لأنه إذا في حال الدورة، فهذا الطلاق باطل. لكنك لا تذهب تفتش في هذا. فقط تقول: أنا أعلم أن هذا طلق زوجته وهو رجل مسلم، والمسلم في أموره الغالب أنه يجري على وفق منهج الشرع، إلى أن يتبين خلاف ذلك. هذه يسمونها: حمل فعل المسلم على الصحة. لولا هذه

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة