سلسلة الأمراض الأخلاقية الشك وسوء الظن في المجال الاجتماعي كتابة الأخت الفاضلة امجاد حسنبسم الله الرحمن الرحيموالصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمدوعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمينقال الله العظيم في كتابه الكريم، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا). آمنا بالله. صدق الله العلي العظيم. لا يزال حديثنا ضمن سلسلة الأمراض الأخلاقية والصفات الذميمة متتابعا. ووصلنا إلى صفة الشك والتشكيك. وقد تحدثنا عن الموقف الإسلامي، بحسب القرآن الكريم والروايات، من موضوع الشك. ثم تحدثنا حول موضوع التشكيك في العقائد. وبينا وجه الفرق بين الشك المنهجي والعلمي الذي يفترض أن يصل بالإنسان إلى اليقين، وبين التشكيك النفسي والتهريجي الذي قد ينتج بلبلة في الساحة الإسلامية أو ضعفا في
الإيمان عند من يتأثر بمثل هذه التشكيكات. وحديثنا هذا اليوم، يتناول موضوع التشكيك في المجال الاجتماعي بما يتعلق بالناس. في السابق تحدثنا عما يرتبط التشكيك فيه بالعقائد، الآن نتحدث عن التشكيك والشك المرتبط بآخرين، أن يشكك الإنسان في أشخاص آخرين. وهذا قد يتصور على أنحاء متعددة: قد يتعلق الشك وعدم الثقة بالصورة الاجتماعية عموما. بمعنى: أن هناك من الناس من يسيء الظن في عموم أبناء المجتمع، فلا يعتقد أن الناس متدينون، ولا يعتقد أنهم صادقون أو أنهم على خير. يلبس هذا – كما يقولون – نظارة سوداء، فيرى عامة الوضع الاجتماعي سيئا وغير حسن. فهو دائما شاك في معاملته، وفي نظره إلى الأشخاص، دائما متشائم. هذا النمط من الناس نمط غير طبيعي. وكأنما يريد أن - يقول بطريق غير مباشر
- أن الوحيد في هذه الدنيا الذي هو صالح هو أنا. وأما باقي أبناء المجتمع فهم مراؤون، غير مخلصين في عبادتهم، غير صادقين في معاملتهم. أنا الصادق المخلص. أما سائر الناس، فليسوا كذلك. وهو وإن لم يقل بلسانه هذا الكلام، إلا أن موقفه التشكيكي من سوء الظن في عامة الناس، ينتهي إلى هذا الكلام. وهذه فكرة لا ريب أنها، لا تتفق مع الواقع. إذ واقع الأمر ليس هكذا. فكما يوجد في هذا المجتمع - بل في كل مجتمع - أناس سيئون، هناك، ولعله الأكثرية الغالبية هم كذلك - أناس طيبون، وعلى درجات ومستويات من الطيبة. إذ أن أغلب الناس صادقون وإن كان فيهم من يكذب، والصادقون هم أيضا على درجات، فثمة درجة أدنى، ودرجة متوسطة، وأخرى عالية من الصدق والمصداقية.
ولهذا، ولأن الواقع هو كذلك، أمر الإنسان بأن يتعامل مع سائر الناس على ظاهرهم وألا يفتشهم. نعم هناك موردان تم الاستثناء فيهما. المورد الأول: فيما إذا كان حال الزمان حال خديعة، والفساد هو الأغلب. هنا ينبغي الاحتياط. أي إذا غلب السوء في مجتمع على الناس، غلب عليهم الانحراف، وأصبحت الخديعة حالتهم عامة، والمشاطرة والغش هي القاعدة - وهذا قد يحدث في بعض المجتمعات، وإن كان ليس في كل مجتمع - بحيث تجد مثلا أن ٧٠% من الناس منحرفون، آنئذ ينبغي أن يحتاط الإنسان لنفسه. فإن في تعليل ذلك؛ ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين (ع): "فَإِنَّ صَرْعَةَ الاسْتِرْسَالِ لَا تُسْتَقَالُ". فالإنسان إذا مشى وهو مغمض عينيه - حسب التعبير - في مجتمع من هذا القبيل، قد يقع في واقعة لا
يقوم منها، هنا من موارد الاستثناء. وأنتم تعلمون، أن الاستثناء، هل هو على القاعدة أم على خلاف القاعدة؟ على خلاف القاعدة. فالأصل هو أن يتعامل الإنسان مع الآخرين على حسن ظاهرهم، إلا في بعض الموارد. هذا واحد من الموارد، والأمر الثاني: فيما يرتبط بالمعاملات المالية، على وجه الخصوص. فلا يشكك فيه، وإنما يحتاط لنفسه، بماذا؟ بالتدوين والكتابة. فالشرع يقول لك: حتى لو أقرضت واحدا خمسة دراهم. وكان رجلا مؤمنا يصلي ويصوم، فاكتب هذا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ). وكتابة الدين هذه، ليست تشكيكا فيه، وإنما قاعدة لحفظ الحق، جعلها الدين طريقة من طرق الاستيثاق والتوثق. فهذان موردان من الموارد التي يخرج فيهما الإسلام عن القاعدة العامة، والتي هي: أن الإنسان لا سيما في المجتمع