ينقل أيضاً عنه: أنه بعدَ ما دوّن هذه الوثيقة وعممها وصارت مثل مرسوم يُتلى، طلب من (حسب ما ذكر) ياقوت الحموي، ياقوت الحموي كان متعصباً أيضاً مع أنّ كتابيه: مُعجم البلدان و كتاب الجغرافيا كانا يتميّزان بجانب مذهبي، فيرتفع عنده المؤشر إلى أعلى و يقول: هذا القادر، طبعاً هذا القادر بالله عند بعضْ المتعصبين إمام من الأئمة، لماذا؟ لأنه بالتالي عَمل ما يريدونه من منع من يخالفهم، تهديد من يعارضهم، أي واحد عنده اتجاه عقلي يجب أنْ يقمعونه ويكبتونه، فهذا ما يريدوه. ولذلك تجد كتابات مثلاً الذهبي، وابن كثير، وبعض المتأخرين عنه كانوا يرفعونه إلى أعلى الدرجات.
فأقدم هذا الرجلْ على هذه الخُطوة حتى قالوا: أنّه طلب من أربعة فقهاء: شافعي، وحنفي، ومالكي، وحنبلي، أن يكتبوا مُختصرا في الفقه، فكتبَ كل واحد منهم مُختصرا في الفقه، وأقرّ هذه الكتب ومنع أي كتاب آخر وأي إمام فقهي آخر، وأي مذهب آخر، وعمم ذلك بشكل رسمي أنّه ممنوع أن يُفتى بغيرْ هذه، و ممنوع أنْ يُتعبد بغير هذه، و ممنوع أن يتدين بغير هذه. فأي شخصْ إنْ أراد أن يدرس في مكان فله أن يدرس وفق واحد منْ هؤلاء الأربعة أو يخرُج خارجاً. فإمام الجماعة إما أنْ يتبع واحداً من هؤلاء الأربعة أو يخرج خارجاً، والقضاة أيضاً إما واحد من هؤلاء الأربعة إما أن يتبع واحداً من هؤلاء الأربعة أو يخرج خارجاً وعلى هذا المعدل. وكانت الأزمة في الوسَط السُّني في مدرسة الخلفاء أزمة كبيرة لماذا؟ لأن هذه المذاهب في بعضها مذاهب عريقة وضخمة وكبيرة. محمد بن جرير الطبري، صاحب كتاب التاريخ، وصاحب التفسير، كان إمام مذهبْ يقرّ له أتباعه بأنه رجل فقيه في القمة. لكنّه حُذف، المهم إما الأربعة ومن عدا ذلك لا يوجد أحد.
هناك شيءٌ آخر ينقل و أنقلهُ باختصار: لا يوجد لدينا وقت كافي كمَا إني مُستوحشٌ هذه الليلة لأننا لم نعمل صَلوات على مُحمد وآل محمد. اللهم صَل على مُحمد وآل محمد. اللهم صَل على مُحمد وآل محمد، اللهم َصل على مُحمد وآل محمد. نقل المحقق سيد عبد الرزاق المقرم، أعلى الله في الجنان مَقامه، وهو رجل فقيه وباحث تاريخي مهم، في مقدمة تقريرات الإمام الخوئي أعلى الله مقامه في كتاب الاجتهاد والتقليد. فكتب مقدمة: أورد فيها موضوع منع الاجتهاد وحصَر الاجتهاد. الآن إشارة لمن أراد أن يطلع على هذا الموضوع، هناك كتيب مهم جداً، ألفه الشيخ أغا بزرك الطهراني رحمه الله صاحب الذريعة وهو كتيب حول هذا الموضوع، فسأله أحدهم مسألة، فدون رسالة وهو كتيب جميل لمن أراد الاطلاع.
من جملة ما ذكره السيد المقرم ناقلاً عن الشيخ عبد الله الأفندي أحدْ تلامذة العَلامة المَجلسي رَحمه الله: أنّه في زمان القادر بالله طلب من أئمة المذاهب المعروفة مَبالغ ماليّة للخلافة وللدولة. فأي شخص يُريدْ أن يجعل مذهبه رسْمي فلا بُد أن يقدم ٨٠ ألف دينار إلى الحُكومة. فحسب النقل، أئمة المذاهب الأربعة الذين كانوا في ذلك الوقت قدموا ٨٠ ألف. والجعفرية، كان في زمان الشريف المرتضى يقول الناقل: نظراَ لقلة مالهُم لم يقدموا ذلك المبلغ المالي، حتى إن الشريف المرتضى تبرّع بنصف المَبلغ وأراد أنْ يجمع النصف الثاني من الناس فلم يستطيعوا أنْ يجمعونه، فرفض الاعتراف بالتشيع.
عدمْ توافقْ القرائنْ التاريخية مع ضُعف الوضع المادي للشيعة.
أعتقد أن هذا النقل قد لا توافقه القرائن التاريخية لعدة جهات، أنا أشير إلى بعضها سريعاً واحد من الأشياء: شخصيّة القادرْ بالله العباسي لمْ تكن مؤهلة لقبول مَذهب التشيع ولو أعطوا ٨٠٠ ألفْ دينار وليس فقط ٨٠ألف دينار. الرجل كان مُتعصباً طائفياً، ومُتعصباً منهجياً فهو ضد أي اتجاه عقلي في الإسلام، وحتى المُعتزلة الذينَ هم من مدرسة الخلفاء من السّنة كان يتبرأ منهم، وكتب ضدهم، وكان يُعاقبهم ودعاهم إلى التوبة وإلا كذا وكذا. الشيعة أيضاً عندهم الاتجاه العقلي واضح و خصوصاً في العقائد فالاتجاه العقلي عند الشيعة واضح. ياترى هذا الذي كان يعاقب المعتزلة وهم مصنفون مذهبياً على مدرسة الخلفاء لأنّ عندهم اتجاهاً عقلياً، أتراه سَوف يقبل بالشيعة الذين المصنفين على غير ذلك المذهب، وعندهم الاتجاه العقلي، فهل يقبل بهم؟! هذا غير ممكن. وكان لديه أيضاً الحالة الطائفية واضحة، وكان في وثيقته تلك يدعو إلى البراءة من الرفض، والرفض هذا عنوان للتشيع في أزمنة العباسيين. فإذن شخصية هذا الرجل لم تكن مؤهلة ليعترف بهم لو دفعوا له ٨٠ ألف دينار. الآن في بعض الأماكن تستطيع أن تعمل هذا الشي في موضوع آخر ولكن في العالم الإسلامي وما به من التعصب، لو تطعمهم العسل المصفى لا يقبلونك، فما هي ٨٠ ألف دينار! هذا لديه خلاف منهجي معك في الأساسو يعتبرك خارج الدين، فهذه نقطة. النقطة الأخرى: ليس صحيحاً أنّ الشيعة في ذلك الزمان كانوا ضيعفي الحَال إلى هذا المقدار وهو أنّ ٤٠ ألف دينار لم يكن عندهم حتى يعطوها الشريف المرتضى ويُسلمها إلى ذلك، وهو نفس الشريف كان ثرياً وغنياً وكان يلقب بالثمانيني، أي أن ثروته كانت أيضاً ٨٠ ألف كما قالوا، وعنده أملاك وعنده كذا. نقابة الطالبيين كانت صدر مموليهم، بنو بويه في تلك الفترة، سلطنة الإسلام، نفس بغداد، كانت في الواقع تحت سيطرة بني بويه، ولكن الخليفة الرّمزي والاسمي كانَ الخليفة العباسي، هؤلاء بنو بويه قطعاً كانوا شيعة، إما إمامية أو زيدية والخلاف في هذه النقطة، وكان عندهم من الأموال ما شاء الله. هذا وزيرهم الصاحب بن عباد، مئات الألوف من الأموال كان عنده كما يذكر في أحواله في تلك الفترة توفي سنة ٣٨٥ هجرية. فلم تكن حالة الشيعة بهَذا المقدار من الضعف كما يزعم. وهذا يبين أنّ القضيّة لم تكن راجعة إلى أنهم لم يكونوا أصْحاب أموال؛ لذلك لم يعترف بهم. لا، بل القضية كانت أكبر منْ هذا. هذا الذي منع سائر المذاهب السنية أن يقبلوا بالشيعة ولو أعطوهم ٨٠ ألف وهو مخالفين معهم مذهبياً ومنهجياً وهو عنده حالة طائفية، لم يكن الأمر هكذا.