كيفْ ومَتى أُغلق باب الاجْتهاد في الأمّة؟
تفريغ نصيْ: الفاضلة أمجَاد عبدْ العال
تصحيح الأخت الفاضلة سلمى آل حمود
قال الله العَظيم في كتابه الكريمْ بسم الله الرحمن الرحيم: "فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" سورة التوبة آية (١٢٢). حديثنا بإذن الله تعالى، سيكونْ حول موضوع يبدأ بسؤال عن: كيف ولماذا تم إغلاق باب الاجتهاد في الأمة؟ بحيث أصبح ممنوعاً، بعد سَنة الأربعمائة الهجرية تقريباً، حيثُ أصبح ممنوعاً بشكل رسميْ، وحُصرَ الاجتهاد ضمن مدرسة الخلفاء فقط. هذا القرار الذي اتخذ في وقت من الأوقات ضمن ظروف استثنائية خاطئة، إذ لا يزال يحكم القسم الأكبر من هذه الأمة. وله مفاعيل متعددة، منها: أنه لا يعترف بغير أربعة مذاهب في هذه الأمة. وفي داخل هذه المذاهب، لا يمكن لأحد أنْ يتجاوز الإطار الفقهي الذي سنّهُ فقهاء تلك المذاهب. فلا يستطيع مثلاً أحد أنْ يتخذ رأياً فقهياً مخالفا لهؤلاء الأئمة للمذاهب.
كيف حصَل هذا؟ بالرغم من أنّ القرآن الكريم يهتف بالناس "فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ"؟ في الجواب على هذا السؤال، سَوف يتبين أن من الأخطاء الكبيرة، والآثار المدمرة لتدخل السياسة في دين الناس، ولإجبار السلطان الناس على أن يتخذوا منهجاً خاصاً في الدين، لأنهُ يرتضيه، مع أن قضية الدين والتعبد به هي قضيّة خاصة بالإنسان.
ربما كان للحَاكم والسلطان حقٌ في أن يقرر ما يرتبط بالأمور العَامة منْ قوانين أيّ قضايا يرتبط بها النظام الاجتماعي، ولكن أنْ يأتي لكي يتدخل في اختيار طريقي إلى الجنة! فهذا شيءٌ ليس من حقه. أنا أعتقد أن هذا الطريق بهذا الاتجاه هو الذي يؤدي إلى الجنة و هو الذي يرضي الله عز وجل، و السلطان يعتقد أن طريقاً آخر هو الذي يؤدي إلى الجنة، فليلتزم به هو و ليمارسه على نفسه. أما أنْ يُجبرني أنْ أسلك نفس ذلك الطريق، وأنا لا أعتقد بأنه طريق مؤد إلى الجنة، فهذا أمرٌ ليس من حقه. لكن للأسف، الذي حصل هو هذا في الأمة.
حاكم، في ما قبل ١٠٠٠ و عدة سنوات اتخذ قراراً بأنْ لا يُمكن الاجتهاد بعد الأئمة الأربعة المَعروفين، وبأنّه لا يجوز التعبد بغير هذه المذاهب، وبأنه لا يُعترف بمذهب غيرُ هذه المذاهب. وبقي هذا القرار الخاطئ الذي اتخذه سلطان في زمن حاكماً إلى يومنا على المُسلمين إذ تغيرت الدول و زالت الحكومات كالدولة العباسية التي كان هذا خليفة لها فطارت في الفضاء، ولكن لا يزال هذا القانون باقياً مستمراً.
بدايَة إغلاق بابْ الاجتهاد فيْ الأمّة.
فلننظرْ كيف حصَل هذا الأمر. من الواضح الآن، أنّه لا يُعترَف في الأمة الإسلامية بغير مذاهب فقهية أربعة ، هي: المذهب الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي في وسط مدرسة الخلفاء، وما عداه من المذاهب فإنهم اعتبروها مذاهباً غيرُ رسمية و غيرُ مشروعة، سواءً كانت تنتمي إلى نفس مدرسة الخلفاء ككثير من المذاهب التي انقرضت وانتهت، أو لا تنتمي إليهم: كالإمامية، والزيدية، والأباضية وأمثالها.
لنأتي إلى القضية التاريخيّة بشَكل مُتدرج، ففي بدايات القَرن الثاني الهجري أي من بعد سنة ١٠٠ للهجرة تقريباً، بدأ بُروز عددٌ من الفقهاء أصحاب مناهج فقهية وطرق إذ عُدّ منهم الحسن البصري، و عُدّ منهم ابن أبي ليلى، و عُد منهم سفيان الثوري، و عُد منهم أبو حنيفة فيمَا بعد، وغيرهم أيضاً كانوا مَوجودين، وفيما بعد نجد مثل الليث بن سعد والأوزاعي وغيرهم، بمعنى أنّه إلى سنة ١٨٠ هجرية و نهاية القرن الثاني كان هناك عدد وافر من المَذاهب وأئمتها.