فأتى القادر العباسي واتخذ أسوأ قرارْ يمكن لحَاكم سياسيْ أنْ يتخذه فيوقف مسيرَة أمة في الفقاهة والمعرفة والعلم. أمة تتحرك باتجاه العلمْ، فيقول: إلى هنا و كفَى ولا نريدُ علماً بعد اليوم. تتصور مثلاً لو أن حاكماً أتى وقال: لا نريد أي علم طبيْ إلا ما وُصل إلينا في سنة ٤٠٠ هجرية، بعد هذا كل نوع من الاجتهاد الطبي ممنوع و كل نظرية طبية جديدة ممنوعة، كل عملية جراحية غير التيْ كانت تُجرى في السابق مَمنوعة! فكيف سَيكون حال الطب في تلك الأمة. و لو أنّ واحداَ من السياسيين أتى وقال: نحنُ الآن في سَنة ٤٠٠ هجرية، ولدينا هذا المقدار من الفلك، ولدينا اسطرلاب و لدينا كذا كذا، فممنوعٌ أنْ يكون هُناك اكتشاف، وممنوع أن يجتهد إنسان في الفلك، ممنوع أن تكون هناك أبحاث جديدة في الفلك، فتصور هذه الأمة، و ما الذي سيحصل لها، إذن هذا هو بالفعل الذي حَصَل في فقه الإسلام.
أتى هذا القادر العباسي، وأوقف الحَركة الفقهية فيْ الأمّة الإسلامية، قال: كفى! فكل المذاهبْ مَمنوعة إلا هذه الأربعة! وداخل هذه المذاهب أيضاً و ممنوع أن يُجْتهد في المذاهبْ، يعني لا يوجد أحداً من المَذهب الحَنفي يستطيع أن يقول: أنا رأيي مخالف لرأي إمام المذهب والدليل على ذلك كذا. كيف تخالف إمام المذهب و أنت تأكل العسل؟! إذا تريد أن تُعبر عن رأيك فعليك أن القول: أنا أرجح رأي الشافعي على مالك، في هذه المسألة، و رأي أحمد بن حنبل على الشافعي، أما أنت تحضرْ رأيٌ من عندك وتنتقد هؤلاء الأربعة فهذا شيءٌ ممنوع و ليس لك حق في ذلك. فلك أن تتصور أي كارثة حلت بالأمة على أثر ذلك.
إستمرار الحركة الاجتهادية في المذهبْ الجَعفري
الحَمد لله، المَذهب الجَعفري والإماميْ لمْ يَعترف به فيْ ذلك الوقت، وبالتالي لم يلتزم بقانونهم في منعْ الاجتهاد وفي إغلاق بابه. فإلى اليوم وإلى غداً أنت تجد في كل برهة زمنيّة يوجد هناك فقهاء ومُجتهدون ومُجددون وأصْحاب آراء عالية، وأعلم ممَن سبقهم، أساساً العلم هو هذا طريقته. العلم كلما مرّ الزمان به زاد حَجمه، فليس من المعقول أنْ يكون السابق أعلم من اللاحق. فلنفترض في سنة ١٠٠٠ هجرية أن نأتيْ و نقول هذا أعلم من شخص كان في سنة ١٤٠٠، فهذا ليس معقولاً هذا! لأنّ هذا الذي يعيش في سنة ١٤٠٠ إذا كان عنده مستوى من الذكاء وعنده ملكة الاجتهاد يكون قد قرأ كل ما أنتجه ذلك العالم، وقرأ مئات النظريات بعده، فتوسع حجمه العلمي، فهلْ هناك عاقل يقول: أنّ الطبيب الذي كان في سنة ٢٠٠ هجرية هو أعلمْ منْ الطبيب اللي في ٢٠١٧! فهذا غير معقول أبداً لكن هذا بالفعل الذي تقرر في هذه الأمة للأسف.
أتى هذا القادر العباسي، القادر بالله حسب التعبير، لأنهم جميعهم يضعون في اسمائهم (بالله) كالمستكفي بالله، المُتوكل على الله، بقيَ فقط: أعوذ بالله، فيُقال الخليفة أعوذ بالله فهذا ما بقيْ. حتى قيل أن أحدهم قال لبعض جلسائه من الخلفاء أول ما تولى أنّه: لكل واحداً سبقني كان له لقب فواحداً كان المتوكل على الله، وآخر الهادي بالله، والآخرْ القادر بالله، وغيرُه المستكفي بالله، فكل واحداً منهم اقترح اقتراح، فقيل له: أنّه أفضل شيءٌ لك هو أعوذ بالله. فلتسَمي اسمك الخليفة أعوذ بالله.
الوثيقة القادريّة.
الشاهد: هذا القادر بالله العباسي، عندما أتى كان غريبَ الأطوار، لأنه جَعَل نفسه أولاً خليفة، وأيضاً جعل نفسه مرجعاً دينياً حسب التعبير. وكان شديد الوطأة على الاتجاهاتْ العقلية. أيّ شيء فيه تعّقل يرفضه، وأي شيء فيه نصوص وحرفية، وحالة من التعصّب يكونْ هو وراءه. ولذلك عمل عدة أمور، الأمر الأول: كتب وثيقة وهي الآن معروفة بالوثيقة القادريّة. هذه كتب فيها العقائد التي يلتزم بها أهل الحديث مثل: من يتكلم في الصحابة بكذا وكذا نصنع فيه كذا، وكذلك مثل: البراءة منْ أهل الاعتزال والرفض باعتبار أنّ لديهم توجهات عقلية، و مثل البراءة من كل من يحكم الرأي والاجتهاد، وبالإضافة إلى ذلك جملة أمور كان قد أودعها في هذه الوثيقة، وكانت تقرأ في المساجد حيثُ يذكر بعض المؤلفين شيئاً من هذه أنقل لكم أنّه وصل به الحال إلى أنه استتاب المعتزلة: إما أنْ تتوبوا أو كذا وكذا نصنع فيكم، بل وغيرهم، فأظهروا الرُجوع وتبرأوا من الإعتزال ونهى الناس عن الكلام والمناظرة، فلا تتناقشوا في العقائد ولا مناقشة، ولا الاستدلالْ بدليل، وأريد كلام، وهذا يقول وذاك يقول! فلا نريد شيئاً من هذا كله حتى أنّه أخذ خطوطهم بذلك، وأنهم متى خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم. هذا مثلاً يُنقل في حكمه.