فقال له المنصورْ: إذا كتبته أنتْ فسنحْمل الناسْ عليه وعلى الأخذْ به، قيل هنا أنّ مالك قال له: أنّ أصحاب النبي صلى الله عليه و آله قد تفرقوا في البلاد وعلّموا الناسْ من علمُهم. فلا يُمكن أنْ نجبرُهم على اتجاه واحد. في نقل آخرْ: أنّه قال له: أنّ الناس لا يقبلوا منا. أيّ أنّ أهل العرَاق لا يقبلونْ كلامنا، فأهل الكوفة في ذلك الوقت كان لديّهم مدرسة خاصة و هيَ مدرسة، الرأي، هي الشائعة، فما يمكن يقبلون منا. وربما فيها إشارة إلى حالة التشيع، باعتبار الكوفة كانت محسوبة شيعية الولاء. فقال له المنصور: إذن نَجْلدهم بالسياط، فكيف لهم أنّ لا يأخذوا بهذا الكتاب؟! (العن والديهم) حسب التعبيرأيّ نجلدهم بالسياط، فقال له: لا تفعلْ.
لكن المنصور، واصل هذا المشوار ودعَّم قضية الموطأ، ونشر الكتاب، يعني أنّه: كتبَ ونشرَ وكان يحظى برعاية الدولة، وأصبح لمالك وجودٌ قوي في المدينة، وسيأتي الحديث عنه إن شاء الله في وقت لاحق. فهذه أيضاً مُحاولة أخرى.
المحاولة الأوضحْ، كانتْ في زمانْ هارون الرشيد وهو هارون العباسي، وذلك قرّب أكبرْ شخصية في المَذهب الحنفي بعد أبي حنيفة. أبو حنيفة، توفي سنة ١٥٠ هجرية، فلما جاء الرشيد لم يكن أبو حنيفة موجوداً، فقرّب إليه أحد أهم تلامذته، وهو أبو يوسف القاضي، وجعله قاضي القضاة وقرّبه تقريباً إليه، فملك أبو يوسف قلبَ هارون حتى قال هارون: لو كان يحق لي أن أدخلك في نسبي لأدخلتك في نسبي. أيّ مثل ما أدخلَ معاوية عبيد، وهو زياد ابن أبيه فجعله زياد بن أبي سفيان فأدخله في نسبه. فيقول: لو يحصُل أن أدخلك في النسب معي لفعلتْ هذا الأمر، ولكنّه لا يحصل. وهذا يبين لنا شدة العلاقة. ولماذا كُل ذلك؟ إن شاء الله سيأتيْ الحديث عنه مُستقبلا.
فعينه قاضياً، وأطلَق في يده كل الأمور الدينية، فلمْ يكن يُعين قاض إلا بأمره وإذنه ورضاه، ولم يكن يُعطى مُدرساً مجالاً للتدريس إلا بأمره، وهذا أبو يوسف، حسب التعبير أيضاً لم يُسرّها في نفسه، وإنما لم يكن يقبلْ أن يعين أحد إلا حنفيْ المَذهب. لا مدرس، لا قاضي، لا إمام جماعة، لا صاحب مؤسسة دينية، فكل ذلك كان يشترط أن يكون حنفي المذهب. وإلا فإنّه لا يعين، فانتشرت الحالة المذهبية بشكل واسع. إلى هنا، ما كان هناك منع لباقيْ المذاهب فكل (واحد يحصّل نصيبه) حَسب التعبيرْ، ولكن هناك مذهباً من المذاهب يحظى بدعم من قبل الدولة وهذا بعض الشر أهون من بعض كما يقولون.
نشأة المذاهبْ في مُختلف الأماكنْ.
استمرّت هذه الحَالة، وكانت هُناك مَذاهب كثيرَة كانت تنشأ، وبعْضُها كان له وجودٌ كبير مثلاً: مذهب الأوزاعي، قيل أنّه بلغَ في فترة من الفترات، أنّه صار هو مذهبْ أهل الشام قاطبة، إلى أنْ جاء فيما بعد أحد القضاة وهو قاضي شافعي، وبدأ يكتسح وجُود المذهب الأوزاعي بالتدريج. إلى أنّ زال.
مذهبْ الليث بن سَعد، كان في مصر و انتشر انتشاراً عظيماً جداً بحَيث لم يكن أحداً ينافسه إلى أنْ تغيرت المُعادلة. فهناك مذهب إسحاق بن راهويه، مذهب ابن جرير الطبري وغير هؤلاء، إذ كان عدد المذاهب كبيراً جداً ولكن الدولة السياسة كانت تقتضي أنْ تدعم هذا المذهب، ولا تهمها بقية المذاهب. فكانت تعطي إمكانات، أموال، تفسح إله فرصة، تقضي بقضائه، تعين بتعيينه، تعزل بعزله واستمر هذا الحال إلى زمان القادر بالله العباسي حيثُ تولى الخلافة سنة ٣٨١ هجرية، وهو يعد تقريباً أطول خليفة عباسي. كانت خلافته حوالي ٤١ سنة، و استمر في خلافته إذ أننا نعلم أن بعض الخلفاء العباسيين يكونون بالليل خلفاء، ثم يعزلونهم في الصباح، فبعضهم حكم ستة أشهر، بعضهم سنة، بعضهم يخرج بعيون، بعضهم لا يخرجْ بشيء. ولكن هذا القادر بالله العباسي، استمر ٤١ سنة من الزمان، في ذاك الوقت كانت الدولة الإسلامية قد انتقصت أطرافها، فكان في بغداد عنوانٌ للخلافة، وإلا كان الحاكم الفعلي لبغداد والري وأصفهان وشيء من الشام، كانوا بنو بويه. في تلك الفترة، شمال سوريا و بنو حمدان في مناطق متفرقة وكانت الدولة مقسمة، سيأتي إن شاء الله حديث حول هذا الموضوع في فترة لاحقة.