٣-كيف ومتى أغلق باب الإجتهاد في الأمة ؟

٣-كيف ومتى أغلق باب الإجتهاد في الأمة ؟
00:00 --:--

كان أول تدخُل للسلطة السياسيّة في أمرْ المذهب في بداياتْ زمان العباسيين، نعم الأمويون كانوا يشجعون بعض التوجهات، لكن أول محاولة في تدخل الأمر السياسي، والسلطان والحاكم في المذهبيات بشكل رسمي كان زمان المنصور العباسي، المنصور العباسي حيثُ تولى الخلافة، سَنة ١٣٦ هجرية.

تسلم المنصور الخلافَة وهُو مسكون بضدية الطالبيينْ والهاشميينْ، لماذا؟ لأن أصل الثورة على الأمويين كانت بواسطة الفرع العلوي عن طريق أبو هاشم بن محمد بنْ الحنيفة وسلسلته هم الذين بدأوا بالحركة ضدَّ الأمويين، ثم سرقها العباسيون في وقت متأخر، وكانتْ الدعوة إلى (الرضا منْ أهلُ البيتْ) بهذا العنوان، عنوانٌ من دون اسم معين. وقبل سقوط الدولة الأموية، بايع هؤلاء جميعاً محمد بن عبدالله بن الحسن المعروف بالنفس الزكيّة، فبايعوه على أنه هو الإمام وهو الخليفة، ومنْ جُملة الذين بايَعوه كان المنصور العباسي. فالآنْ في عُنقه حسب تعبيرهم بيعة لشخص وهُو مطالبٌ بها. جاء العَباسيون ضمن مسار مُعين وسَيطروا على هذه الحركة وأخذوا الدولة. الآن هو مُطالب ببيعة لمحمد النفسْ الزكيّة، وللعلويين، إذ هو الآن ضد هؤلاء، فرأى أنّه من اللازم إسقاطهمْ و إجلائهم. هذه الحالة جعلته دائماً في موقف الضد منْ الاتجاه العلوي، الاتجاه الطالبي، الاتجاه الهاشميْ، و كل من كان ينتمي إلى علي بنْ أبيْ طالب بالنسبة إلى المنصور كان يُعتبر في جهة الأعداء. وفي الجهة المُقابلة برَز الإمامْ الصّادق (عليه السلام) بمَذهبه في سنة ١٣٦ هجرية، وذلك يعني بأنّ الإمام الصّادق (عليه السلام) مضى من عهد إمامته حوالي ٢٢، ٢٣ سنة. ثمّ انتشر علمه بشكلٌ واسع جداً، وبرز كعَالم من أكبر علماء الأمة.

مُحاولاتْ الدّولة العباسية لمُواجهة الفقه الجعفريْ.

فجَاء المَنصور وطلبَ من أبي حنيفة النعْمان إمام المذهب الحنفي الذي كان يُعد أيضاً في ذلك الوقت من العلماء الكبار، طلبَ منه هذا الأمر حيثُ أنّ أبو حنيفة نفسه ينقل هذه الرواية وينقلها اتباعه في كتبهم، قال: "دعاني المنصور وقال لي إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد، فهيئ لي من مسائلك الشداد الصعاب" (كتاب مرويات الإمام الصادق). يعني أنّه نريد أن يأتي ونسأله عن مجموعة مسائل لنحرجه فيها، ونكسر هذا الإعجاب والافتتان به. فلما وصل المنصور إلى المدينة، في إحدى سفراته التي كان معه أبو حنيفة ودخل عليهم الإمام الصادق عليهم السلام.

فيقول أبو حنيفة: فدخلني من الهيبة لجَعفر أكثر مما دخلني من الهيبة لأبي جعفر. يعني ملأت نفسي هيبة الإمام الصادق، جعفر بن محمد أكثر مما امتلأت هيبة من الخليفة أبو جعفر المنصور، فلما استقر بنا المجلس، قلت له: عندي مسائل. قال: سل. فبدأت أسأله في الفقه، فكان يقول لي: أنتمْ في العراق، لأنّ أبا حنيفة كان يعد من فقهاء العراق بالكوفة، فيقول أنتم في العراق تقولون كذا في المسألة، وأهلُ المدينة الذين يتبعون النصوص وسيأتي حديث عن هذا، أيّ يقولون كذا، ونحن أهلُ البيت، نقول: كذا.

يقول أبو حنيفة: فرُبما وافقنا وخالفهم، وربما خالفنا و وافقهم، ورُبما خالفنا معاً. حتى إذا انتهت مسائلي، قال لي أبو جعفر المنصور: كيف رأيت؟ قال: قد روينا أو رُوِّينا، يعني نقل إلينا، أن أعلمْ الناس أعلَمَهم باختلاف الناس. ومعنى ذلك أنّ هذا جعفر بن محمد يعلم ليس فقط عن رأيه، وإنما يعلمْ عن رأي أهل المدينة، و يعلم عن رأي أهل العراق، وعنده رأيه الخاص. فهذا يتبين أنّه لديه إحاطة علمية بكل الآراء فهو أعلم الناس. هذه أول محاولة، شهدناها بشكل رسمي حيثُ قامت بها السلطة العباسية لمواجهة الفقه الجعفري، الإمامي، ولتأييد من ترى.

المحاولة الثانية، كانتْ بشكل أكثرْ تقدماً مع الإمام مالك بن أنس وهو إمام المذهب المالكي. في إحْدى سفرات المنصور إلى المدينة، وذلك لأنّ مالك لم يخرُج من المدينة، إذ حصل لقاء بينهما،  فيقول المنصورْ لمالك: هنا رُوايتان، ولكن إحدى الروايتين أظرف منْ الأخرى في نمط العرض! وأنا أنقل إحدى الروايتين. قال المنصور لمالك: أنه لم يبقَ من علماء هذه الأمّة إلا أنا وأنت. أيّ بمعنى أنه كل هؤلاء العلماء الذين ذكرنا أسماؤهم الآن وغيرهم لم يكونوا علماء في نظر المنصور! فالعَالمان الوحيدان في الأمة، هو المنصور ومالك، فيقول: وأنا قد شغلتني أمور الخلافة، فلا أستطيعْ أن أكتب كتباً، فاكتب لنا كتابا ووطئه للناس، ولذلك سُمي كتاب مالك باسم: الموطأ، وطئه للناس، يعني: سهله واجعله يسيراً ليفهمه الناس، وتجنب فيه شدائد فلان ورخص فلان، في بعض الروايات، في، نقلها صاحب مستدرك الوسائل، ولا تروي فيه عن علي بن أبي طالب. وبالفعل، مالك/ في الموطأ، لم يرو عنْ علي (عليّه السلام)، وهذا ما سنتناوله في الحديث عنه، فعند استعراض شيءْ عن المَذهب المالكي مثلاً سيرة إمامه، ومعالم مذهبه في الموطأ فإنّه لا تُوجد رُواية عنْ الإمام علي (عليه السلام) أصلاً.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة