الأمر الثالث: يذكر أيضاً وهو أنه أحياناً تتدخل الأهواء، طلب الرئاسة، دعم هذه السُّلطة لهذا التوجه، تقديم هذا على ذاك منْ غيرُ مبرر، حتى لو عرفَ الإنسانْ أنّ الحق مع هذا الطرف لمصلحة فيقدم ذلك الطرف، ويتغافل عن الحق ويتجاوزه "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ" (٦). هذه الأسباب الثلاثة تذكر، وقد يكون هناك أسباب أخرى. لكن لا نتوقف عند هذا الموضوع. فدعونا نذهبْ إلى الحالة الإسلامية في زمان رسول الله، وبعد رسول الله، ولذكره صلوا عليه، اللهم صل على محمد وآل محمد. اللهم صَل على محمد وآل محمد. اللهم صَل على محمد وآل محمد.
في زمان وجود النبي (صلى الله عليه و آله) كان هو صَاحب البلاغ المبين، ولذلك لم يكنْ هُناك تيارات أو اجتهادات فقهية أو عقائدية وحَتى إذا أبدى بَعضهم كمَا حصَل بالفعل في بعْض الآراء، إذ لم تكن تأخذ مدىً اجتماعياً. حتى إذا اعترض أحدَهم على النبيْ في هذه القضيّة أو تلك، إذْ لمْ تكن تأخذ أبعاداً اجتماعية، إلا لو استثنينا ما حصل في قضية يوم الخميس عندما طلب النبي الدواة والكتف، وخالفَ بعضْ أصْحاب رسول الله هذا الأمر، فهذا كان له آثار، بَطبيعة الحَال له امتدادات.
اتجاه الأجيالْ بَعدَ رسول الله صلى الله عليه وآله.
فبعد زمان رَسول الله صلى الله عليه وآله، يُلحظ أنه تشكل توْجهان في داخلْ الأمة الإسلامية، بدأ هذان التوجهان من ذلك الوقت، وسارا في عمق تاريخها فيما بعد، وأثّر كل اتجاه في الأجيال اللاحقة التي تلت بَعده.
الاتجاه الأول: ما يُمكن أن نسَميه كما سماه باحثون: بمَدرسة النص.
والاتجاه الثاني: سماه الباحثون: مدرسة الرأي.
مدرسة النص: ما معناها ؟ تعْني تعبّد هَؤلاء الناس بحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالنصوص الواردة في القرآن الكريم، وعدم تجَاوزها وعدم تأويلها والدوران حَولها، وكان في طليعة هذه المدرسة وهذا الاتجاه أميرْ المؤمنينْ علي بن أبي طالب صَلوات الله وسلامه عليه.
هذا التوجه له ميزاتْ، أيْ أنّه من كان معَ أمير المؤمنين (عليه السلام) من الأصْحاب في نفس هذا التوجه، كانوا يؤمنون بأمور متعددة، و واحد من الأمور هي أنّ ما جاء في القرآن الكريم وما روي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كافٍ للبشرية في حَياتها الدنيوية والأخروية، وهذا ما يثبته القرآن الكريم الذي تحدث عن نفسه بأنه تبيانُ كل شيء. وبأنّ فيه تفصيلٌ لكل شيء وبأنّه ما فرّطنا في الكتابْ من شيء، هذا بالإضافة إلى حديث رسول الله (صلى الله عليه و آله) هو كافٍ لحياة الناس. (بين قوسين): لا بدْ لنا أنْ نشيرْ إلى المَقصُود منْ كل شيء، و ماذا يعني؟ فليس كلْ شيء على نحْو الإطلاق، بمَعنى أنه حتى فرْش هذا المسجد مثلاً فإنّ لونُها موُجود في القرآن، وأنّ هذه الكاميرا هندستها مَوجودٌ في القرآن، فهذه دعوة مجانبة للصواب وإنما المقصود ما هُو المطلوب من القرآن ومن السنة النبوية؟ المطلوب منها هو: أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، وهي حياة الإنسان وسعادتها الدنيوية و فلاحها الأخروي، توجيهاتها وتشريعاتها مَوجودٌ في القرآن وفي سُنّة رسُول الله، أما في مثل هذه التفاصيل كمساحة منزلكمْ؟ و كم منْ شجرة في الحديقة الفلانية، وكم لون في المسجد؟ فهذه لا ترتبط بالقرآن الكريمْ حتى تكون في القرآن، القرآن أتى لكي يهدي للتي هي أقوم، و كل ما كان مؤثراً في هذه الحياة للتيْ هيَ أقوم، فتجد أصُوله في القرآن وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله. يعتقد أصحابْ هذا المنهج أنّ حَاجة الإنسان بهَذا المَعنى مَوجودة في القرآن الكريم وفي سُنة رسول الله (صلى الله عليه وآله). وإلى ذلك ما ذكرنا أول المَجلس من حديث رسول الله في خطبة الوداع: " ما منْ شيء يُقربكم من الجَنة ويُباعدْكم عنْ النارْ إلا وقدْ أمرتُكم به ومَا من شيء يُقربكم من النار ويباعدكم عن الجنة إلا وقد نهيتكم عنه"، فهذا أولُ شيء من ميزات هذا التوجه: وهو اعتقاده بأن في قرآن الله وسنة رسول الله وفاء بحاجة الإنسان وليست هناك حاجة في ضمن هذا الإطار لابتداع أساليب جديدة للأخذ بالآراء والقياسات فلا نحتاج، لأنّ أصول هذه الحياة السعيدة موجودٌ في القرآن وسنة النبيّ. وتترتب على هذا خصلة ثانية: وهي أنّهم اهتموا بالقرآن وبسنة رسُول الله. ولذلك من يدّعي مثلاً أن أتباع أميرْ المؤمنين يؤمنون بتحريف القرآن مجانب للصواب، لأنّ أول مهمة قام بها أمير المؤمنين (عليه السلام) هي أنّه أنجز مهمته القرآنية، غير أنّنا نعتقد أن القرآن كان على عهد رسول الله (صَلى الله عليه وآله) ثمّ أتى الإمام و تمّم ذلك بأن اعتكف بعد وفاة رسول الله، وعكف على القرآن حتى يخرج للناس هذه النسخة النهائية حسب التعبير، التي كانت على عهد رسول الله، وهذا بحث يطول و يحتاج إلى بحث خاص.