الأمر الثانيْ: وأمّا السببْ الثاني الذي يذكر: هو فهمْ النصوص الدينية التيْ يأتي بها النبيْ أو الكتاب السماوي، فيأتي كل نبي بكتاب سماوي وأيضاً يكون له توجيهات عبارة عن سنته وأقواله، فينظر الناسْ إلى هذا الكتاب وآياته ويسمعون أحاديث النبيْ، وتختلف أفهام النّاس فيْ نظرهم إلى الكتابْ، وفي سماعهم لحديث نبيهم. لنأخذ على ذلك مثلاً في العقائد، ومثالا في الفقه. مثال في العقائد: عندما يقرأ الإنسان المسلم في القرآن الكريم: "بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ"(٤) هذه الآية المباركة من الممكنْ أنْ تفهم بنحوين. النحو الأول: أنْ يأتي إنسان أو أن يأتي عالم فيقول: نعم، الله له يدان، واليد المعروفة هي هذه اليد الجارحة وهي عضو من أعضاء البدن، وهذه اليد الإلهية مبسوطة مفتوحة، فإذن لله يدان وأنّ يديه مفتوحتان. هذا فهم.
يجي عالم آخرْ، ويقول: قامتْ الأدلة على أن الله تعَالى ليس جسماً ولا يتركب من أعضاء، فلا يمكنْ لنا أن نقول أن هذه الآية "بل يداه مبسوطتان" أيّ لا يمكن لنا أنْ نقول أنها تشير إلى اليد بمعنى العضو، وإنما هي عبارة عن معنى كنائي ومجازي وهو يشيرْ إلى سَعة عطاء الله عزّ وجلْ، إذ يشير إلى قدرة الله وتصرفه، وأنّه لا شيء يمْنع من تصرف الله سُبحانه في الكون. هناك فرقٌ كبير بين المعنى الأول وبين المعنى الثاني. المَعنى الأول ينتهي إلى التجسيم و إثبات اليد، و حتى لو نقول: يد مُتناسبة مع الله، بالتاليْ سينتهي إلى تركّب الله من الأعضاء والكلام ذاته سيُقال الكلام الوجه، "وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ"(٥)، والكلام ذاته فيْ سائر المواردفي قوله تعالى: "يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ"(٦)، وفسّرت بساق الله، فصار هذا الإله مُركب من أعضاء ومن أجزاء. الطرف يقولْ: هذا مَعنى التجسيمْ، مَعنى التشبيه، وتعَالى الله سُبحانه وتعالى عنْ ذلك، وإنمَا هي إشارة إلى كرم الله وإنفاقه وإعطاء الله وهيمَنته. فإذنْ أصبح لدينا تباينْ في طريقة الفهم وليسَ فقط في كمية العلمْ التي يأخذها الأتباع والأصْحاب وإنما في فهم هذه النصوص.
مثالٌ منْ الفقه، إذا أصَاب القذر بدنْ أحدُكم فليغسله بالماء كما ورد في الرواية، أيّ أنّه صارتْ نجاسة على بدْن الإنسانْ، فليغسله بالماء، فيأتيْ عالم فيقول: أنّ معنى هذا الحديث هو أنّ تطهيرْ النجاسات يتوقف على غسلها بالماء، ليس إلا و لا تطهر بغير الماء. لماذا؟ لأن الحديث يقول: فليغسله بالماء. ثمّ يأتيْ عالمٌ آخر يقول: لا، الغرض من هذا الحديث، هو أنْ تقلع النجاسة وأن تزال. ذلك الزمان كان عندهم الماء مزيلٌ للنجاسة، فإذا صَار لدينا ديتول نسْتطيع أن نقلع النجاسة، ديتول يزيلها ويعقم المكان، فإذن ليس هُناك شرط في الماء، وإنما الغرض هو فقط اقتلاع النجاسة. فالطرف الأول يقول: لا، كان بإمكان النبي (صلى الله عليه وآله) وهُو الفصيح البليغ أنْ يستخدم غير هذا التعبير، فيستطيع أنْ يقول: إذا أصَاب القذر بدنْ أحدكم فليقلع النجاسة. فلماذا قال: فليغسله بالماء؟! يستطيع أنْ يقول: فليزل النجاسة، لماذا يقول: فليغسله بالماء؟! فإذا كان هُناك قماشٌ موجود يُمكنْ أنْ يقلع النجاسة وإزالة النجاسة بالقماش. فأنت ترى هنا أنّ نصاً واحداً يأتي شخص ويفهمه بطريقة ويأتي شخصٌ آخر ويفهمه بطريقة أخرى و هذا موجودٌ في موضوع العقائد، وهو موجودٌ أيضاً في الفقه. هذا سبب ثاني.
فالسبب الأول: أنّ كمية العلم وحجم العلم، الذي يتلقاه تلامذة النبي والرسُول مختلف بينهم. فهذا عالم جداً، وذاك متوسط العلم، وذاك بسيط العلم، فإذا اختط كل واحد منهم لنفسه طريقاً اختلف عن الطريق الآخر.
الأمر الثاني: في نفس العلم المأخوذ، فهذه النصوص من القرآن الكريم، أو من لسان رسول الله صلى الله عليه و آله، فكيف أفهمها أنا؟ وكيف تفهمها أنت؟ هذا أمرٌ ثاني وسبب ثانيْ.