وكذلك كان اهتمامهم بسُنة رسول الله حفظاً ورواية وتدويناً وكتابة، وكان هناك عناية بأن يُحفظ حديث رسول الله، وأنْ يروى في زمان الإمام أمير المؤمنين بعد النبي، وكان يتناقل الحديث في ضمن هذه الدائرة على عكس الدائرة الأخرى كما سيأتي ويتبين.
وكان هناك أوامر صارمة من قبل أمير المؤمنين (عليه السلام) بأن يكتبوا ويقيدوا العلم بالكتابة وهناك فصلٌ خاصْ لمن أرادَ أن يُراجع هذا الأمر في قضية كتابة الحديث وتدوينه، وهذا أمر ثاني وترتب على هذا الأمر الثاني بأن لا يقول أتباع هذا الخط رأياً في مقابل نصٍ ثابت عن رسول الله فضلاً عن نصٍ ثابت في القرآن، وافتخر هَؤلاء أصحابْ هذا الاتجاه بأنّ لديّهم العلمْ الكثير من لسان رسول الله (صَلى الله عليه وآله) وأنهم يتوارثونه، ويخزنونه، كما يخزن الناس فضتهم وذهبهم. هناك حديثٌ أنقله لكم بنصه عن الإمام الباقر (عليه السلام) فيقول: "يا جَابر، لو كنّا نفتي الناس برأينا وهوانا، لكنّا من الهَالكين، ولكنّا نفتيهم بآثار منْ رسُول الله (صَلى الله عليه وآله) وأصُول علم عندنا نتوارثها، كابراً عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم"(٧). كيف عناية أولئك على أموالهم يحفظونها، ويتوارثونها، نحن نكنز العلم عندنا ونتوارثه. وفي قضية، مثلاً اشتهر توارث كتاب علي بن أبي طالب إلى فترات أخرى نحن نجد منها: ما ورد في زمان الإمام الباقر (عليه السلام) إذ سأل أحدهم الإمام الباقر عنْ مسألة فقال: هلم إلي ( تعال)الإمام الباقر يعرف المسألة ولكنْ أراد التنبيه على قضية أخرى، فيقول: فأخرج كتاباً عظيماً أيّ الإمام الباقر، فجعل ينظر فيه حتى أخرج المسألة، وقال: هذا خط علي وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتابٌ عظيم، وكان الإمام يعرف المسألة، ولكن كان يريد أن يبين له هذا المعنى فيتحدثون عن الجامعة، وما أدراك ما الجامعة، جلدُ ثور في سبعين ذراع فيه، حتى أرش الخدش.(٨) وما شابه ذلك أيّ بالمعنى شيءٌ مفصلٌ من الأحكام، فهذا كان محل افتخار لهذا الخط، بأنّهم يحفظون علم النبي ويكتبونه ويتوارثونه ويخلفونه لمن بعدهم. هذا الاتجاه الأول، والخط الأول.
الخط الثاني: ما يسمى بمدرسة الرأي. مدرسة الرأي يتحدث الباحثون عنْ أنّ رأسها كان الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وهذا الاتجاه له أيضاً مواصفات: الخليفة عمر علم ابن مسعود، عبد الله بن مسعود، هذه النظرية، هذه الفكرة، عبد الله بن مسعود، أُرسل من قبل الخليفة الثاني إلى الكوفة معلماً ووزيراً، وهناك نشرْ لهذه النظرية، عبدالله بن مسعود نشر هذه النظرية، وتعلم عليه إبراهيم النخعي. إبراهيم النخعي صَار عنده تلامذة: ربيعة، حماد، وهؤلاء درسَ عليهم أبو حنيفة النعمان الذي أصبَح صَاحب مذهبْ فقهي مَعروف بأنّه يستعمل الرأي والاجتهاد بشكل كبير جداً، وسوف نتعرض إليه في المستقبل إن شاء الله. فهذا التسلسل أصبح من البداية إلى أن وصل إلى الكوفة، و أصبح في الكوفة جيلان، ثم تبلور في مذهب أبي حنيفة النعمان.
الاتجاه الأول كان اتجاه أهل البيت (عليهم السلام) منْ أمير المؤمنين ثمّ أولاده المَعصومون سلام الله عليهم أجمعين، وسَينتهي إلى الإمام الصادق، ويتشكلْ بذلك المذهب الإمام والجعفري، الذي سوف نتحدث عنه أيضاً إن شاء الله.
هناك (بين قوسين) في مذهب النص، كان في طرف مدرسة الخلفاء أيضاً رائداً من رُواده، و يُنقل أنّ عبد الله بن عمر بن الخطاب كان من اليوم منْ أتباع النصُوص وإن كانَ حجم الذي أخذه ليسَ بمثلْ ذلك المقدار الذيْ عند علي بن أبي طالب، ولا بالاتجاه ذاته، ويحتاج حديث في هذا. ولكنْ يُمكن لهَذه الفكرة أن تفسر لنا بعض مخالفات عبدالله بن عمر لوالده عمر بن الخطاب مثل ما ورد منْ مخالفته له في مُتعة النساء وفي بعض الموارد. الآخر هو الذيْ قال فيها عبدالله بن عمر، سمعنا رسُول الله يقول كذا أرأيت لو نهى عنه والدي أتبع والديْ أم أتبع رسول الله. قد يكون جذر هذا راجع إلى هذه النقطة الآن لا نتحدث فيها.