الآن عندما تأتي وتدرس - مثلاً - في العلوم، في الفيزياء، في الرياضيات، في الكيمياء، تدرس نظرية من النظريات. فالمرحلة الأولى: هي أن تفهم هذه النظرية، ماذا قال أربابها؟ ماذا قالوا عن هذه النظرية؟ افهمها بعد ذلك، إذا فهَمتها تقولْ: أنَا أقبل هذه النظريّة أو لا أقبلها، أقبلها لهذا السَبب، ولا أقبلها لذاك السبب. أما أنْ تحكمْ من البداية، وأنت لا تعرفها، ولم تدرسها، ولم تطالعْ فيها، وتقول: هذا باطل، هذا ضلال! فهذا لا ينبغي. فهناك قسمٌ من الناس هكذا، بعض الكلمات سريعة لديهم وعندما تسأله: لمَاذا لا تقرأ لهذا الفريق؟ يقول لك: ما بني على باطل، فهو باطل! فهذا جهل. تعال وانظر، تعرَّف، تعلم، ثم انقد. فهناك فرقٌ كبير بين مثل شيخ الطائفة الطوسي - رُضوان الله تعالى عليه
- الذيْ في كتاب الخلاف كان البعض يقول فيه: إن إحاطته بمذاهب غيره لا تقل عن إحاطته بمذهب جعفر بن محمد. فكما أنّه محيط بالمذهب الجعفري، كذلك هو مُحيط بأقوال وآراء الشافعي، والمالكي، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وفلان وفلان وغيرهم. فهذا ينبغي أن يكون منهاجاً لنا هذا في أهمية الموضوع، وفي الحَاجة إلى الحَديث في هذا البابْ. وبطبيعة الحال، لا بُد أنْ يكون لنا، حَول نفسْ المذهب الآخرْ، حول أئمة هذه المذاهبْ، في القسم الآخر، إن شاء الله منْ حَديثُنا، سَوف يكونْ لنَا حديث مُفصل حَول نشوء المَذهب الإماميْ، وتاريخه منذ بدايته إلى أزمنتنا الحَاضرَة، وإلى أركانه الأصلية،بعضْ العناوين الهامّة.على سَبيل المدخل، نعنون بعض العَناوين، العنوان الأول: دينٌ واحد. العنوان الثاني: طائفتانْ رئيستان. العُنوان الثالث: ثلاثْ مدارس عقدية وكلامية. العنوان
الرابع: أربعة أو خمسة مذاهب فقهية ١،٢،٣،٤ أو ٥ العنوان الأول: الدين الواحدْ إذ لا بُد أن نقرر هذا المعنى: من أنّ الجَامع الذي يجمع أمة الإسلام هو دين الإسلام، ودين الإسلام يرتكز على ثلاثة أضلاع، وهذه الأضلاع موجودة في كل المذاهب. الضلعْ الأول: الإيمان بالله عز وجل وهو التوحيد، الضلع الثاني: الإيمان بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله. والضلعْ الثالث: هو الإيمان بيوم القيامة والمعاد. هذه الأضلاع الثلاثة، هذا المثلث الذي يشكل جوهر الدين بل جوهر الأديان السماوية، وقد ذكرنا في سنة مضت، عند حديثنا عن قصة الديانات: أنّ الَعناصر المشتركة في العقائد في كل الديانات هي هذه الثلاثة: الإيمان بالله، والإيمان بالنبي المرسل لهؤلاء القوم، والثالثة: الإيمان بيوم القيامة وما يحصل فيه من جزاء ومجازاة هذا أيضاً
بالنسبة إلى الإسلام وبالنّسبة إلى مذاهبه. فلا يوجد أحد ينطبق عليّه عُنوان: المسلم، إلا وهُو يؤمن بهَذه الأضْلاع الثلاثة ولا يمكن أنْ يَنطبق عليه هذا العنوان لو أخل بواحد منها. والحمد لله، فكل المذاهب الإسلامية - ولا سيما التي لها أتباع في هذا الزمان - هي مؤمنة بهذه الأضلاع الثلاثة فهي على دين واحد. وأعود لكي أكررْ ما سَبق أنْ قلته وهو: أننا نجْد من المُتطرفين في كلتا الطائفتين من يقول هذا دين الشيعة، أو هذا دين السنة، وهذا كلام باطل لا أصلَ له. فالدين واحد، وهُو لله عزّ وجلْ. وجَميع أبناءْ المذاهبْ يُؤمنون بهَذه الأضْلاع الثلاثة فيْ الجملة، وهو مُحقق للدين والإيمان فأحياناً تأتيْ وتقولْ: أنْ هُناك اختلاف في صفاتْ الله وفي الإيمان بهَا وفي طريقتها، واختلاف في الإيمان
بالنبيّ صلى الله عليه وآله وحُدود عصمته وعلمه وتشريعه، واختلاف فيْ الإيمان بيوم القيامة. فهذا مَوجودْ حتى في داخل المذهب الواحد، فهناك نظريات وآراء. لكن هذا لا يخدش أنْ يكون أتباع المَذهب الواحد ولا أتباع المذاهبْ المُختلفة أبناء دين واحد. هذا العنوان الأول. العنوان الثاني: طائفتان، فرقتان، جَماعتان رئيسيتانْ، لا ريبْ أنّ الأمّة بَحسب تاريخُها وبحسب واقعها المعاصر، تنقسم إلى قسمين، من يُطلق عليهم أهل السنة أو أتباع مدرسة الخلفاء، ومن يطلق عليهم شيعة أهل البيت أو الشيعة بشكل عام. وأعظم هؤلاء وأوضحهم، الإمامية أو الجعفرية. فما هو الشيء الذي يقسم بين هذين الفريقين؟ هُناك اجْتهادات لا ترجعْ إلى دقة، مثل: أن يقول لماذا هذا شيعيْ؟ وهذا سُني؟ ما هو جوهر الخلاف؟ فيأتي لك بمسائل فقهية. فيقول لك مثلا: هذا