سبب عدول أبي الحسن الأشعري عن رأيه :
لماذا عدل بعد دراسة خمسين سنة ؟
هناك نظريات متعددة:
١- يقول البعض أنه رأى النبي "ص" في المنام وأخبره بأنه متحير فالمعتزلة تنفي صفات الله، وأهل الحديث تثبت صفات الله كصفات البشر فعينه كعين البشر وكذلك يده ووجهه وحركته فكما ورد في الرواية أن الله ينزل كل ليلة جمعة من السماء السابعة للسماء الدنيا وينادي هل من تائب هل من مستغفر، فسأل البعض كيف ينزل؟ فقال الخطيب: هكذا وصار ينزل من المنبر،
أو كما ورد في تفسير المقام المحمود عند بعضهم من أصحاب المنهج النصي الحديثي في الرواية يأتي الله يوم القيامة برسوله فيجلسه معه على العرش " عسى ربك أن يبعثك مقاما محمودا" فهناك نزول وحركة وجلوس مع النبي وعين وساق ووجه ..الخ
فهنا فريق ينفي وفريق يثبت. فقال له النبي: عليك بسنتي .أي اترك المعتزلة واذهب للروايات فصحى من نومه وأعلن تراجعه.
الأحلام والرؤى دليل العاجزين :
وبالطبع فإن الأحلام والرؤى هي دليل العاجزين عن البرهان، ونعلم أن البعض صادق في رؤيته ولكن البعض غير كاذب فقد رأى شخص اعتقد انه نبي وكان يعيش سؤال معين وحصل على إجابة.
فهل لنا أن نصدق هذه التوجيهات المتخالفة لحد التناقض والتضاد.
فالإمامي يقول رأى النبي وقال لي إني على الحق وغيرك ليس على الحق .
والمعتزلي يقول : رأيت النبي وقال لي أنك على الحق وغيرك ليس على الحق وكذلك الأشعري وكذلك السني والأباضي والزيدي.
فمن نصدق منهم ؟ لاسيما مع تعارضهم.
فليس من العقل أن يقول النبي لشخص أن الطريق الصح فقط يمين ثم يقول لآخر اذهب يسار ثم لاخر لايمين ولا يسار اذهب للأمام . هذا الكلام لن يقبله أي عاقل ولو افترضنا الصدق عند هؤلاء لايمكن الأخد بهم لتعارضهم.
ولا يمكننا الأخذ بها لاختلافها وتعارضها،فلا يمكن أن يوجه النبي الخلق لهكذا بل هذا اضلال لا هداية ويبرأ النبي من هذا فإذن لا حجة ولااعتبار للأحلام في المسائل الشرعية والعقائدية وللأسف هالفكرة في حالة انتشار تجعل الناس تقلق.. مثل طرفة أن امراة متصلة اعطني تفسير حلمي أني أشرب عصير برتقال .
فإذا لم يكن لديك وقت للاهتمام بأمورك تهتم بأمور المنام؟
إذن لو ثبت صحة النقل عن الأشعري أنه رأى النبي لا يمكن الأخذ به ولا يمكن أن يكون مبررا. حتى لو اعتقد هو بها لن تكون حجةً على الآخرين.
٢- يرجعها البعض للعامل السياسي فمنذ مجيء المتوكل إلى وفاة الواثق، ٢٢٣هـ إلى سنة ٣٢٠هـ قرن كامل من الزمان كان مليء باضطهاد وكبت للمعتزلة ومطاردة ومنع ومصادرة كان الموقف شديد العداء للمعتزلة ثم قرن كامل لزمن القادر العباسي الذي أصدر وثيقة سميت بوثيقة القادرية ٤٠٠هـ وهي مرسوم سلطاني عباسي فيه براءة من المعتزلة يروى بعد الصلوات والخطب، فالقائلين بهذا الفرض يقولون أن من الطبيعي حين يرى هذا الضغط السياسي من الدولة العباسية بالإضافة لبعض العثرات والمشاكل الموجودة في مذهب المعتزلة وبعضها أخطاء كبيرة "حيث أن الإمامية عندهم اعتراضات على المعتزلة وعلى الاشاعرة " فسيكون دافع وحافز له ولبعض العلماء للتغيير.
٢- قسم ثالث وهذا ما ذهب إليه الشيخ السبحاني أحد أعلام الاجتهاد في قم مرجع ديني له بحوث قيمة في العقائد والملل والنحل له موسوعة رائعة عشر مجلدات باسم " بحوث في الملل والنحل" الشيخ السبحاني يذكر سبب آخر أن الأشعري كان يريد إصلاح المنهج العقائدي لأتباع أهل الحديث، فهو بصورته المعروضة صعب أن يقبل من عامة المسلمين فلن يقبل مسلم أن يسمع أن النبي يجلس مع الله على كرسيه ، وأنه ينزل كما ننزل نحن من على المنبر ففي ذلك تجسيم لله وأن لله يدان وزند وأصابع مثلنا لا مؤولة بالقدرة والعظمة والإنفاق بل يد حقيقية، صعب على الناس أن تتقبل هذا الكلام.
لكن نقطة قوة هذا المنهج أنه يعتمد على الروايات وأن عامة الناس أقرب لقبوله ، أقرب مما يذكره المعتزلة، فالمعتزلة لهم رؤى تخاطب عادة الخواص والفلاسفة فلا يستطيعون خطاب العامة .
لكن مذهبه يستطيع أن يخاطب عامة الناس لكنه يحتاج إلى تشذيب وإصلاح وبرهان وترتيبه بحذف الأفكار المستنكرة والاستدلال عليه بأدلة ووجوه عقلية مناسبة .
فحاول الاشعري إصلاح عقيدة أهل الحديث وترتيبه بحذف الأفكار المتطرفة والإبقاء على بعض الأفكار التي ممكن أن يستدل عليها وإيجاد أدلة لها ، وقد وفق في بعضها فقط وبعضها لم يوفق.
نورد بعض المسائل التي تطرق لها: