والجواب على ذلك: هي مرحلتان. المرحلة الأولى: أن تصوغ وثيقة قانونية وافية بما أنت تريده من مطالب. المرحلة الثانية: أن يلتزم بها الخصم وأن يطبقها. الأمر الأول بيدك، لكن الأمر الثاني، ليس بيدك. لا أحد يستطيع في أي مجتمع، أن يقول: أنا أستطيع أن أضمن أن الطرف الآخر، سيلتزم بهذا الاتفاق إلى آخر عمره. بعدما وقع، تحصل ظروف، يغير رأيه. يتغير الحكم، تتغير الاتفاقية، لأي سبب من الأسباب. وهذا لا يضير الإنسان أن يعقد اتفاقا. أنت تكون مع تاجر فتصوغ اتفاقية تجارية معه، لا تستطيع أن تضمن أنه سوف يطبقها حرفيا إلى عشر سنوات، لكن الذي تستطيعه هو أنك تصوغ اتفاقية مربحة لك. الذي حصل بالنسبة إلى إمامنا الحسن (ع) هو هذا. فلنقرأ شيئا من هذه البنود بعد الصلاة على محمد وآل محمد. اللهم صل على محمد وآل محمد. اللهم صل على محمد وآل محمد.
في الخبر التاريخي دعا الحسن بن علي بكاتبه فكتب: هذا ما اصطلح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب، مع معاوية بن أبي سفيان. أول خطوة: ذكاء الإمام الحسن (ع) حكمته، دعته إلى أن هو يصوغ الاتفاقية، لا أن هو الذي يوقع عليها. من يبدأ بصياغة المسودة كما يقولون، يوجه الاتجاه بالنحو الذي يريد. لذلك يحرص الحكماء والعاقلون في مثل هذه الموارد، أن تكون الصياغة التي اختاروها، هي الصياغة التي سوف يتم التوقيع عليها، حتى لو تم التغيير فيها. من نقاط القوة في الاتفاقيات، أن هذا الطرف هو الذي يصوغ الاتفاقية، ويقدمها للتوقيع، حتى لو تم التغيير فيها. نفس صياغة الاتفاقية من طرف هو نقطة قوة بالنسبة له. وهذا ما صنعه الإمام. دعا بكاتبه، فكتب، والإمام الحسن يملي، هذا ما اصطلح عليه الإمام الحسن بن علي ومعاوية.
نقطة شكلية أيضا، تقديم وتأخير الأسماء أيضا كذلك، عادة الذي يرى نفسه، أولى بالحق، أو أعلى منزلة، يقدم اسمه، أما إذا رأى الطرف الثاني هو الأعلى منزلة، يقدم اسمه، ولذلك حتى في الرسائل مثلا، الخليفة إذا كان يريد أن يوجه رسالة إلى الوالي يقول من الخليفة فلان إلى الوالي فلان، فلو عكس الأمر، هذا شيء غير صحيح. الإمام الحسن (ع) قدم اسمه الشريف على سام معاوية. وكأنه يقول: أنا أفضل منك، ,أعلى منك منزلة، النقطة الأولى. على أن يسلم إليه ولاية أمر المؤمنين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه محمد (ص).
هذه القضية كانت تحصيل حاصل، لذلك لو سلمها الإمام (ع) لم يكن هناك إشكال، كأنما يريد أن يربح نقطة هي خاسرة بالنسبة له. لماذا؟ لأن طبيعة جيش الإمام والأوضاع المحيطة به، خيانة بعض قواده، تخاذل عموم الجيش، "كنتم تقاتلون مع أبي وآخرتكم أمام دنياكم، وأصبحتم تقاتلون معي ودنياكم أمام آخرتكم"، تقدمون الدنيا على الآخرة، فالحالة المعنوية مالتكم غير جيدة، قادة انهزموا وتسللوا. هذا الجيش غير قادر على المواجهة، المواجهة العسكرية تعني الانتحار.
فإذن، أن يسلم إليه إمرة المسلمين، هي مسلمة بشكل طبيعي، ولكن قدمها الإمام باعتبار أنها نقطة. طيب، سوف يستفيد منها، وشرطها بأن على يعمل بكتاب الله وسنة رسوله. هنا بعض النصوص تنقل وسيرة الخلفاء الصالحين. وقد شكك بعض الباحثين في هذا، بالقول: بأنه كما أن أمير المؤمنين رفض شرط بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين، العرض اللي عرضه عبد الرحمن بن عوف حتى يسلم إليه الخلافة، نظرا لأنه لم تكن هناك سيرة واحدة، وإنما سير متعارضة ومتضاربة. ولذلك قال: بل كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد رأيي. ماذا أصنع إذا كانت سيرة الخليفة الأول تخالفها سيرة الخليفة الثاني، بأي سيرة أعمل.