رؤية في صلح الإمام الحسن بن علي
تفريغ نصي الفاضلة أمجاد عبد العال
نبارك لسيد الخلائق النبي المصطفى ولوصيه المرتضى ولابنته الزهراء ولسيد الشهداء والأئمة النجباء، ذكرى ميلاد سبط رسول الله، الحسن بن علي أمير المؤمنين، صلوات الله وسلامه عليه، ونسأل الله سبحانه وتعالى، الذي أكرمنا بمعرفته، أن يكرمنا بشفاعته ومرافقته في الجنان، إنه على كل شيء قدير.
يتناول حديثي شيئا من الرؤية حول مصالحة الإمام الحسن المجتبى سلام الله عليه، وقد كنا تحدثنا في سنة ماضية، عن سيرة حياته إجمالا، ومررنا مرورا سريعا على موضوع الصلح، ونحتاج أن نتوقف وقفة قصيرة، أمام هذه الحادثة التي بدت فيها حكمة الإمام عليه السلام، وقدرته على إدارة المعركة السياسية.
كمقدمة لهذه الرؤية في الصلح، نشير إلى أن البشر تطور من حالة إلى حالة، كانت طريقة البشر في القديم، أنهم يخذون حقهم، بل وغير حقهم بقوتهم. من كان يمتلك القوة، كان يأخذ حقه، وأحيانا كثيرة غير حقه، ومن كان ضعيفا في هذا الجانب، كان مسلوب الحق عادة.
تطور هذا فيما بعد، من حالة فردية، إلى حالة دول، بحيث أصبحت الدولة الأقوى تأخذ ما تريد من جيرانها، كأراض، وأموال، وغنائم، والقبيلة الأقوى أيضا كذلك، بعامل القوة، لذلك نشبت في البشر حروب كثيرة، كان عاملها الأساس، أنها تريد السيطرة على سائر المناطق، أراضي، وأموال، واستلابا وما شابه ذلك.
وقد ذكرنا في ليال مضت، كمثال على ذلك: الحملة المغولية، على البلاد الإسلامية، باتجاه الغرب، وعلى غير الإسلامية، باتجاه الجنوب.
مع تقدم الإنسان في العلم والمعرفة، ومع سيادة شيء من التحضر، توصل البشر إلى أن أخذ الإنسان لمصالحه، وحقوقه، بالقوة، يؤدي إلى خسائر عظيمة لدى الإنسانية، نظرا لتطور الأسلحة، التي أصبحت تبيد مئات وألوفا وعشرات الألوف. لم يعد هذا الطريق، في نظر البشر منسجما ومتلائما مع الحالة الإنسانية، التي تطور إليها الإنسان، وأصبح هناك بديل آخر، وهو أن تسعى الجماعات والدول والقبائل للحصول على حقوقها من خلال التفاوض والتفاهم والاتفاق. فإن هذا كلفته قليلة وفي نفس الوقت، من كان أكثر ذكاء، وأكثر حكمة، وأكثر صبرا وقدرة على إبداء حجته، هو الذي ينتصر في النهاية، فما عادت القوة إلا لخدمة المفاوضات، ما عادت القدرات العسكرية نافعة لو لم يكن وراءها، قدرة سياسية ودبلوماسية، وقانونية، قادرة على أن تستفيد من الظرف، ولذلك، أصبح في عالم اليوم مثلا وزير الخارجية، أكثر أهمية من وزير الدفاع، مع أن هذا وزير الخارجية، في كل بلد، لا يملك حتى مسدسا، ولكن وزير الدفاع، في كل بلد، لا سيما الدول العظمى، يمتلك مئات الطائرات وآلاف الدبابات وما شابه ذلك. ولكن دور هذا الوزير المجرد عن السلاح أقدر على في نفع بلده من ذلك الوزير الآخر.
وهذا راجع إلى أن البشر التفت إلى أن القوة الحقيقية هي قوة أن يقنع هذا الطرف ذاك الطرف، وأن يدير أمر المفاوضات معه بشكل سليم، لا تحل القضايا على طريقة البشر الأقدمين، من كان يملك سلاحا أقوى يستخدمه فورا، فيبيد هذا الجنس، أو هذه الفصيلة أو هذا المجتمع.
لو أردنا أن نبني على هذه المقدمة، سوف نرى أن وثيقة الصلح التي عقدها الإمام الحسن المجتبى سلام الله عليه، مع معاوية بن أبي سفيان، من أكثر الوثائق ذكاء وحكمة، بدت فيها قدرة الإمام الحسن (ع) في أن يقرر ولو على سبيل النظرية والاتفاق القانوني، أن يستحصل كل ما كان يريد، وأن يمنع خصمه عن تحقيق ما كان يريد. لعلك تقول: لكن هذا لم يتم على أرض الواقع! لأن معاوية لم يف وولم يلتزم بما كان قد وقع عليه.