هل أنت بخيل مع الله ؟ ١٧

هل أنت بخيل مع الله ؟ ١٧
00:00 --:--

أنت ديني وصلاتي وصومي وجامع شملي ومؤنس وحشتي"، هذا لا يخاطب ربه، بل يخاطب هذا المقدار من المال. ثم يقول: "كم أرضا قطعت، وكم كيسا فارقت"، من بنك لبنك تسافر، ومن مكان لمكان تنتقل، "وكم من خامل رفعت، وكم من رفيع أخملت، إن لك عندي ألا تعرى، وألا تجوع فيها وألا تضحى"، ثم يدخله إلى جيبه وكيسه، ويقول: "نم قرير العين"، عليك بالراحة. فهنا لا يأتي إليك أحد، ولا تتحرك أو تخرج أو تقوم لشيء.لعل هذا الصورة، صورة مضحكة بالنسبة إلى ذلك، لكنها قد تكون صورة عملية عند قسم من الناس، لكنه لا يقول هذا الكلام. وإنما يعتقد أن هذا الدرهم هو كل شيء بالنسبة إليه. ولذلك حاضر أن يرد أمر الله عز وجل، في مقابل ماذا؟ أن يحتفظ بدرهمه.

وهذا من التعلق بالدنيا. إذ يبقى هذا الإنسان يجمع ماله؛ حتى فجأة تخطفه سكتة قلبية، ويرحمه الله. أما أمواله الباقية التي لم يستفد منها منها إلا أصحاب البنوك، وأولاده الذين، ليل نهار، ينتظرون متى يرتحل حتى يمكنهم أن يستفيدوا منها. فلا هو نفع بها غيرك، ولا نفع بها نفسه. بل أكثر من هذا، يقول إمامنا الصادق (ع) في تفسير قول الله عز وجل: (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ). قسم من الناس، الله يريهم نتائج أعمالهم حسرات يتحسرون عليها. من هو هذا، قال: "هُوَ الرَّجُلُ يَدَعُ مَالَهُ، لَا يُنْفِقُهُ فِي طَاعَةِ اللهِ بُخْلًا". حج، يقول: لماذا أذهب إلى الحج؟! لا داع. زيارة، ما الداعي إلى ذلك؟! إنفاق مستحب، ما الداعي إلى ذلك؟! خمس واجب، ما الداعي إلى ذلك؟! زكاة واجبة،

ما الداعي إلى ذلك!؟ "ثُمَّ يَمُوتُ"، فهذا ليس بخالد. وكم أناس قد ماتوا، وبعضهم لم تعرف أرصدتهم. خصوصا أولئك الذين يتكتمون على أرصدتهم خارج مناطقهم. فهو لا يريد أن يعلم أولاده بأن لديه ثروة، فيجعل أرصدته خارج البلاد. فلا يعلم عنها أحد. فإذا انتهت حياته، يحدث كثيرا أن تذهب أمواله هباء منثورا. "ثُمَّ يَمُوتُ، فَيَدَعُهُ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِطَاعَةِ اللهِ أو فِي مَعْصِيَةِ اللهِ"، فهذا الأول جيد، لكنه أيضا حسرة. فإن عُمل فيه بطاعة الله، وترك هذه الأموال إلى أبنائه، بأن كانت لديه أموال كثيرة، وباعها، وجعلها في البنك. ثم أتوا الأولاد وورثوها. فهذا الابن الأول الطيب، أنفق، وأعطى، ووسَّع على نفسه وعياله، وهذه كلها فيها ثواب. وأعطى غيره، وهذا فيه ثواب أيضا. لكن ذاك المالك الأصلي، يحصل على ماذا

من هذا؟ على الحسرة. "فَإِنْ عُمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللهِ، رَآهُ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ، فَرَآهُ حَسْرَةً". يقول: أنا ابني، أو أخي - أحيانا الوارث: أخ، وأحيانا: زوجة - فهو لم يعمل لنفسه شيئا. لكن وارثه عاقل، راح يعمل في طاعة الله بهذه الأموال. وذاك يطالع، يرى أمواله التي جمعها وخزنها، هذا الذي ماذا؟ ينتفع بها. "فَرَآهُ حَسْرَةً"، فقد كان المال له، ولو شاء لعمل فيه ما يعمل فيه هذا، "وَإِنْ كَانَ عُمِلَ بِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ فَرَآهُ بِذَلِكَ المالُ، حَتَّى عُمِلَ بِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ"، فيراه أيضا حسرة. فأنا هل جمعته، حتى غيري، هذا الشاب الطائش، يذهب ويلعب به يمينا وشمالا. فهذه حسرة عليه مضاعفة. تلك حسرة واحدة، وهذه حسرات.نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن أعطى واتقى

وصدق بالحسنى، ومن سييسر لليسرى، وأن يجنبنا البخل والشح وسائر الصفات الأخلاقية السيئة، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.


مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة