سعد.ذاك الآخر ما كان مجبرا على هذه العملية أصلا. ولا طلب أحد منه ذلك. ولكنه أحسن وأعطى واتقى وصدق بيوم القيامة والحسنى، وسييسر لليسرى. أما من سبق: فقد بخل واستغنى، واستغنى: فيها معان متعددة: هل بمعنى أنه كان يتصور أنه سيستغني بهذه النخلة أو بتلك النخيل، أو استغنى عن فضل الله عز وجل، أي رفض فضله تعالى، أو غير ذلك من التفاسير. المهم: أن موقفه كان موقف البخل، وكذب بالحسنى، قال: أنا أريد شيئا حاضرا. وهذا سنيسره للعسرى.أحيانا الإنسان في علاقته مع الله سبحانه وتعالى، يكون مثل هذا الإنسان، ولكن لا يلتفت إلى ذلك. أنا عندما يكون علي أمر واجب من قبل الله عز وجل، أصدق به، وأعطي ما وجب علي: صوما كان أو صلاة أو حجا أو زكاة أو
خمسا. أو أنه لا! أنا ممن يكذب بالحسنى، ممن يبخل على الله سبحانه وتعالى.الله لا يحتاج إلى أحد، ولكن مثلما أن الصلاة امتحان واختبار، فالعطاء امتحان واختبار أيضا، وله أغراض اجتماعية: كإعانة القوي للضعيف، والغني للفقير. مع ذلك، الله سبحانه وتعالى يسميها قرضا: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) هذا قرض. فأنت لا تعطي، حتى في المستحب. وإنما تُقرض الله سبحانه وتعالى، والمقروض، يجب على المقترِض أداء ما اقترضه، وإذا تفضل زاد. والله سبحانه وتعالى تعهد بأنه سيكون أضعافا كثيرة.لذلك نقرأ في دعاء أبي حمزة الثمالي - بلغنا الله وإياكم شهر رمضان - "الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَدْعُوهُ فَيُجِيبُنِي، وَإِنْ كُنْتُ بَطِيئًا حِينَ يَدْعُونِي. وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي"، من غير مقابل، ومن غير استيجاب، ومن
غير استحقاق، "وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي، وَإِنْ كُنْتُ بَخِيلًا حِينَ يَسْتَقْرِضُنِي".لاحظ العلاقة بين شخصين، وليس بينك وبين الله. أنا مع شخص، فأطلب منك مالا. وهكذا، تعطيني إياه. تبادر إلى إعطائي. لكني في اليوم الثاني، أنت تأتي تستقرضني، وأنا لدي. فتقول لي: من الأموال التي عندك، أقرضني عشرة دراهم، أو عشرة ريالات. وعندي هذا، وأنا مستغن عنها. لكن لا أقرضك! ليس لا أعطيك مجانا، وإنما لا أقرضك. أليس هذا أظهر أنحاء الجحود وقلة الأخلاق. علاقة بعض الناس مع الله سبحانه وتعالى، هي هذه العلاقة. يطلب من الله ولا يستقرضه. وأحيانا لا نطلب، الله يبادئنا بالنعم. فهل نحن طلبنا من الله سبحانه وتعالى أن نأتي إلى هذه الدنيا؟ لا، لم نطلب منه. لكن الله أنعم علينا بالوجود. فلما وُجدنا، وُلدنا. هل
طلبنا منه أما رحيمة، رؤوفا، تسقينا وتطعمنا وتحرص علينا؟ نحن لم نطلب منه، لكن هو هيأ لنا هذا الأمر من دون أن نطلب منه. فلما كبرنا، أنعم علينا بالهداية، ووقانا الشرور والأخطار. فهل نحن سجلنا إلى الله مطالبنا؟ أبدا. الله سبحانه وتعالى ابتدأنا بالنعم من دون أن نطلب، ومن دون أن نستحق أيضا. الآن، ربنا سبحانه وتعالى، يطلب منا قرضا من بعض ما رزقنا إياه. نقول له: لا، لا نقرضك ولا نعطيك! مع أنه تعهد لنا أن يُخلفه علينا في هذه الدنيا، ويعطينا في الآخرة أضعافه: (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ)، يُخلفه في هذه الدنيا، وفي الآخرة بثواب عظيم. مع هذا، الإنسان لا يقوم بإقراض ربه سبحانه وتعالى. لذلك، جُعل من أنحاء البخيل - كما ذكرنا في حديث سابق
– من لم يؤد ما افترض الله عليه من فرائض المال. في الحديث عن زرارة، عن أبي عبد الله الصادق (ع): "إِنَّمَا الشَّحِيحُ مَنْ مَنَعَ حَقَّ اللهِ وَأَنْفَقَ فِي غَيْرِ حَقِّ اللهِ". هذا حتى لو كان ينفق في سائر الأمور إنفاقات كثيرة، لكنه يترك حق الله سبحانه وتعالى، فهذا إنسان شحيح. يمثل بعضهم هذا المثال. يقول: شخص تاجر كان ذا مال وأراد أن يسافر سفرا تطول فيه غيبته ولديه أهل وعيال وخادم أو عبد. فجاء بالعبد، وقال له: أنا مسافر هذا السفر الفلاني، وهذا مقدار ثروتي كله - لنفترض ١٠٠ ألف دينار - أريدك أن تنفقه في حال غيابي على أهلي. فقال العبد له: نعم، جيد، اذهب وأنت مطمئن. فذهب هذا التاجر، لكن بعدما مشى خطوات، فكر وقال: لعله –