أي العبد - لا يفي بوعده، دعني أرجع إليه. فرجع إليه، وقال له: ما عدت أريد أن تنفق كل المال على أهلي، وإنما أنفق نصفا على نفسك ونصفا على أهلي. فقال له العبد: لكن هذا كثير - يقصد: النصف - لا حاجة لي بهذا، فأنا آكل معهم. فقال له: لا. هذا المائة ألف لك نصفها، والنصف الآخر أنفقه على أهلي وعيالي. فقبل يده، وقال له: لا بأس، وممتاز، لم تقصر. وذهب التاجر في سفره. لكن بعدما مشى فترة، عاد قائلا: لعله يستقل المال، لأكرمه أكثر. فلما رجع إليه قال له: ليس لك النصف، بل الثلثان، ولأهلي الثلث. فقال له: هذا شيء كثير وليس معقولا. فقال له: لا، هذا من طيب نفسي وقرارة قلبي. فذهب ورجع أيضا، وقال له: اجعل خمس
هذا لأهلي، والباقي كله لك، أي الأربعة أخماس. فذهب التاجر وراح في سفرته. لكن العبد لم يقم بإنفاق النصف على أهله، ولم بإنفاق الثلث، بل لم يقم بإنفاق حتى الخمس على أهله. وإنما أنفقه بتمامه على نفسه. فما هو حال هذا العبد؟ جاحد أو غير جاحد؟ هذه صورة قسم من الناس مع ربهم. فالله سبحانه وتعالى أعطى هذا الإنسان كل المال. وأعطاه القدرة على تحصيل المال، وأعطاه العقل حتى يفكر ويحصل على المال. وأعطاه القوة أيضا. ومن خلال قوته، يحصل على المال. ووفر له سبل الرزق، ومن خلالها كذلك يتمكن هذا الإنسان أن يحصل على المال. ثم قال له: هذه مجموعة واجبات عليك أداؤها. فعليك خمسها، وعليك زكاتها. وعليك كذا، أما الباقي فكله لك. ثم ذهب هذا العبد، ولم ينفق
حتى هذا المقدار البسيط كما أمره ربه.لماذا قسم من الناس يرتطمون في مثل هذا؟ لماذا يبخلون؟ واحد من الأسباب تُذكر: سوء الظن بالله عز وجل، وكونه بما في يده أوثق منه بما في يد الله عز وجل. فيقول: أنا الآن، إذا أعطيت زكاتي، وأعطيت خمسي، غدا إذا كبرت، كيف سأعيش؟ أولادي يريدون طعاما وشرابا، من أين أهيئ لهم ذلك. أهلي كذا، إلى غير ذلك. هذا من سوء الظن بالله عز وجل. فأنت هنا تثق بهذا المال أكثر مما تثق بالله عز وجل. فالمال يقول لك: أنا حاضر، والله سبحانه وتعالى يقول لك: رزقك علي، (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا). أنت رزقك علي. ليس هذا فقط، وإنما كلما أعطيت، تزداد. ففي الحديث: "إِنَّ للهِ مَلِكًا يَنْزُلُ لَيْلَةَ
الجُمُعَةِ فَيُنَادِي اللهُمَّ أَعْطِ كُلَّ مُنْفِقٍ خَلَفًا وَكُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفًا". هذه الدعوة من الملك لله عز وجل. والله تعهد بهذا، ما أنفقتم، الله يخلفه. من نصدق؟ نصدق الخمسمائة ريال؟ أو نصدق رب الخمسمائة ريال؟ نصدق الله سبحانه وتعالى، أو نصدق هذه الورقة؟! فالله سبحانه وتعالى يقول: (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)، وفي آية أخرى يقول: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). فإذن، الإنسان الذي هو هكذا، يحتاج أن يراجع مقدار إيمانه. فالإنسان البخيل، ليست مشكلته فقط مشكلة يد لا تعطي، بل مشكلة قلب يسيء الظن بالله عز وجل. فيصل إلى مرحلة الخلل العقيدي: فلا يعتقد بالحسنى، بيوم القيامة. ويقول: اذهبوا لبيع هذا الكلام في
سوق أخرى. هذا أمر أول. الأمر الثاني: هو الخوف من الفقر على نفسه وأهله وعياله. فيشح على الآخرين، بل أحيانا يشح على أهله، بل أحيانا يشح على نفسه. فهو يعيش في دائرة من الخوف والوجل التي تجعله يعيش في هذه الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب حساب الأغنياء! وهذا أيضا يرتبط بشدة التعلق بالمال. هناك قسم من الناس تعلقهم بالمال تعلق عجيب غريب. يٌنقل أن شخصا يذكره الجاحظ في كتابه: البخلاء. يقول: كان إذا جاء إليه الدرهم - أي: مبلغ من المال، بالتالي دراهم – كان قد بلغ من شدة البخل إلى درجة أنه إذا جاءه الدرهم، وصار في يده، أخذ يقلبه يمينا وشمالا، ثم يخاطبه ويناجيه. فأنت تناجي الله ليلة النصف من شعبان، وهذا يناجي درهمه. فيقول ويفديه: "بأبي أنت وأمي،