الإمام الكاظم عليه السلام عمره الشريف كله خمسة وخمسون سنة، ولادته كانت سنة ١٢٨ هجرية، تولى الإمامة وعمره عشرون سنة عند وفاة وشهادة أبيه الصادق سنة ١٤٨ هجرية، وشهادته عليه السلام كانت سنة ١٨٣ هجرية، عمره الأجمالي خمسة وخمسون سنة، عاصر فيها عدد من الحاكمين من بينهم المنصور العباسي ثم ابنه المهدي ثم الهادي وأخيراً استشهد عليه السلام في زمان هارون المعروف بالرشيد، طبعًا نحن عندما نتحدث عن هذه الألقاب لا نذكرها لأننا نعتقد بها بأنه هذا الهادي وذاك المهدي وهذا الرشيد، هذه ألقاب على غير حقائقها و لكن لأجل التعريف تذكر.
معاناة الإمام الكاظم عليه السلام في سجون بني العباس:
سُجن الإمام عليه السلام خمس مرات في خلافة بني العباس واحدة منها في عصر المهدي العباسي وأربع منها في عصر هارون الرشيد مع فرض الإقامة الجبرية، سنستعرضها ان شاء الله تعالى تباعاً:
١/ سجن الإمام عليه السلام للمرة الأولى في عصر المهدي العباسي:
أدخل الإمام عليه السلام سجنه السجن الأول في زمان المهدي العباسي، المهدي العباسي كانت مدة خلافته احدى عشر سنة، وهذا الرجل غريب الأطوار سُجن في عهده الإمام سنة واحدة وهو كما قلت غريب الأطوار لأنه من جهة كان مشهورًا بالتهتك واللهو والشراب وما شابه ذلك ويكفي أن اثنين من أبناءه عُلياء وإبراهيم فتلك ضرّابة عود حسب التعبير وذاك مغنً وطبال والذي يشير إليهما أبو فراس الحمداني في قصيدة المعروفة: منكم عُلياء أم منهم وكان لكم شيخ المغنيين إبراهيم أم لهم.
فهذه صفحة من حياة هذا الرجل حياة الانهماك في الشراب وفي اللهو وفي اللعب مع الجواري وفي التهتك، وقالوا أن المهدي هو أول من أظهر ذلك من العباسيين في مجلس الخلافة، وكما هو معروف أن أبوه جعفر المنصور سماه محمد ولقبه بالمهدي حتى يقول لهم هذا هو المهدي الموعود الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا كان هذه هو المهدي الموعود فسلام الله على باقي المعاني.
فهذا الجانب في جانب التهتك و اللعب، في الجانب الآخر كان عنده تشدد جدًا على ما سمي في الحرب على الزنادقة، فصار في عهده أي شخص يبدأ أو يناظر أو يتكلم أو عنده رأي عقائدي أو رأي كلامي بمجرد أن يقولوا له هذا عنده كفريات عنده أفكار زندقة على وجه السرعة يحضروه ويذبحوه.
فهذا الخليفة عيّن شخصاً اسمه صاحب الزنادقة عمله فقط يذبح هؤلاء وفي هذه الفترة الإمام الكاظم عليه السلام أمر أتباعه وأصحابه أن لا يخوضوا في كلام الإمامة ومناظراتها أصلًا، فنهى الإمام الكاظم عليه السلام كل أصحابه أن لا يتحدثوا في تلك الفترة بأفكار الإمامة لا فيما يرتبط بقضايا صفات الله عز وجل ولا بقضايا الجبر والاختيار ولا بأمور القضاء والقدر، أمامكم شخص غير طبيعي بمجرد أن يُشكى على فلان من الناس بأن عنده أفكار كُفرية أو زندقة وبدون تحقق يقتلُه في الحال، لا ذاك الفساد لا ذاك الانهماك في الشراب لا ذاك الذي أبناءه مغنون وراقصون ولا هذا التشدد في قتل من كان يحمل أفكارًا عقائدية أو كلامية مختلفة هذه صورة منه.
صورة أخرى عندما تأتي أيضاً في نفس الوقت الذي هو كان أهون حالًا من أبيه المنصور، أبوه المنصور الدوانيقي كان يصنع المستحيل لمخالفة أي شيء يرتبط بأهل البيت عليهم السلام وكان يرفض حتى أن يروي عن جدهم عبد الله بن عباس لا تروون عنه شيء لا تعظمونه لأن هذا معروف بولائه لعلي بن ابي طالب عليه السلام، ولا تتحدثوا حتى عن جدنا لا سيما أن عبد الله بن عباس كان ناقل لأحاديث وآراء أمير المؤمنين عليه السلام، ابنه المهدي خفف من هذه الدرجة فكان يظهر بعض الأمور التي ترتبط بأهل البيت مثل قضية الجهر بالبسملة - الجهر بالبسملة قديمًا وحديثًا هو من شعار أهل البيت عليهم السلام في الصلاة - المهدي كان يجهر بذلك، هذا جانب وجانب آخر وإذا به يعتقل الإمام موسى الكاظم عليه السلام فالرجل لم يكن لديه مسار واضح تارة كذا وتارة هكذا، لكنه اعتقل الإمام في عهده سنة واحدة، بعد تلك السنة كان هناك الوضع هادئ ومستقر بينه وبين الإمام الكاظم عليه السلام، فترك الإمام الكاظم عليه السلام في المدينة بعدما أعتقله في بغداد، فرجع الإمام إلى المدينة وعاش عيشة هادئة إلى سنة ١٧٩ هجرية.