بعكس ما كان في أمر قريش، حديث رسول الله صلى الله عليه وآله عن الأنصار هو حديث إيجابي يتضمن المدح والثناء عليهم، فهناك مورد وهو مقبول في الجملة وموجود أيضا في مصادر المدرسة الأخرى، وذلك عندما صارت قضية غزوة حنين، النبي صلى الله عليه وآله ربح غنائم فيها، فلما صار هذا الأمر جمع النبي صلى الله عليه وآله أصحابه من الأنصار والقرشيين المكيين، وقسم الغنائم بينهم حيث أعطى المؤلفة قلوبهم – وهم جماعة جاؤوا مع النبي لأجل الأموال -فأعطاهم أموال كثيرة، والأنصار لم يحصل لهم مثل هذا المقدار الذي حصلوا عليه هؤلاء فحزّ في نفوسهم، فبعض المنافقين في هذه الأثناء تحركوا وقالوا: محمد لما رأى جماعته واجتمعوا حوله أعطاهم الغنائم وأخرجكم من هذه القسمة، فحزّ ذلك في نفوس بعض الأنصار، فجاء بعضهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وذكروا له أن بعض أهل المدينة عندهم شيئ في أنفسهم من هذه القسمة.
فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال: يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم، ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله ، وعالة فأغناكم الله ، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ، قالوا : بلى، الله ورسوله أمن وأفضل ، ثم قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله الفضل، قال صلى الله عليه وآله : أما والله لو شئتم لقلتم ، فلصدقتم وصدقتم: أتيتنا مكذباً فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك ، أوجدتم يا معشر الأنصار في لعاعة[١] من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد بيده ، لولا الهجرة لكنت أمراً من الأنصار ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً[٢].
فلا شك أن هؤلاء عادت إليهم روحهم الدينية والإيمانية ورأوا أن تصرف رسول الله صلى الله عليه وآله في محله وأن ذلك الطرف عُلقته بالدين في هذه الغنمة والسيف والدرع والسلاح، بينما عُلقة هذا محبته لرسول الله وإيمانه الحقيقي، فرجعوا وثابوا إلى ما كانوا عليه.فالنبي صلى الله عليه وآله بدأ يدعوا لهم ويتحدث عنهم وقال: ( اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار، الأنصار كِرشي وعيبتي، لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار وادياً لسلكت شِعب الأنصار)
هذا نوع من التأييد لموقفهم هذا في مقابل أولئك المكيين الذين جاؤوا من أجل المادة والأموال والغنائم وأن هؤلاء إنما جاؤوا لنصرة الدين والإيمان، الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أيضًا مدح الأنصار حيث قال: ( إن الأنصار ربّوا الإسلام كما يربّى الفلو في الغنم، بأيديهم السبطة ولسانهم المنطلق ) يعني هؤلاء كان لديهم عطاء مادّي وجهاد بأيديهم وكان لهم دعوة للإسلام أيضًا.
التيار القرشي ( المتربص للدوائر والناكص عند النزال والفار من القتال ) يتولى زمام الأمور:
العجيب في الأمر أن القضية انعكست، فذاك التيار القرشي المحارب لرسول الله صلى الله عليه وآله عشرين سنة من الزمان والذي تصفه الزهراء في بعض كلامها تقول: ( و أنتم في رفاهية من العيش وادعون، آمنون، فاكهون، تتربصون بنا الدوائر وتنكصون عند النزال وتفرون من القتال) هذا حال التيار القرشي، جماعة يستلمون الأشياء جاهزة، وأما أهل البيت وأنصارهم يخوضون في لهوات الحرب، حيث تقول في وصفهم: ( قذف أخاه في لهواتها فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه ويخمد لهبها بحد سيفه) نحن كنّا مقدمين في النزال والقتال بينما أنتم كنتم وادعون وهانئون وآمنون في رفاهية من العيش، ولا يوجد لديكم نزعة للقتال أو الحرب أو التضحية.