مجتمع المدينة بعد النبي في الخطبة الفدكية

مجتمع المدينة بعد النبي في الخطبة الفدكية
00:00 --:--

   مع ذلك نفس هذه الجماعة هي التي استلمت كل الجزاء وصارت الخلافة والأموال والمناصب بأيديهم وما شابه ذلك، وليس أنهم طردوا أهل البيت فقط بل، حتى الأنصار الذين يوصفون بهذا الوصف، فأول شيء مكروا بهم جماعة السقيفة وقالوا لهم: ( نحن الأمراء وأنتم الوزراء)، فأخرجوهم فارغي الوفاض ولم يحوزوا على شيء، وتطور الأمر إلى ما هو أسوء من ذلك، ففي أيام معاوية بن أبي سفيان كان شتم الأنصار قائمًا على قدم وساق.

   هؤلاء الأنصار الذي يقول فيهم النبي صلى الله عليه وآله: ( الأنصار كرشي وعيبتي، ولو سلك الناس واديًا، وسلك الأنصار واديًا، لسلكت شعب الأنصار) هؤلاء أصبحوا محل تهجم من قبل معاوية مباشرة من جهة ومن قبل الجهاز الإعلامي التابع له من جهة أخرى.

   فمعاوية عندما جاء إلى المدينة في أواخر عهده حتى يهيئ موضوع خلافة ابنه يزيد، كان يتوقع أن الناس كلهم يخرجون لاستقباله باعتباره خليفة المسلمين، فرأى أنه لم يُستقبل بذلك الاستقبال الحسن، لم يخرج له أحد لاسيما كبار القوم من الأنصار، فخرج له مثل النعمان بن بشير الأنصار مع بعض الأشخاص، لكن عامّة الأنصار كان موقفهم سلبياً منه، هناك معاوية اغتاظ وسأل بعض من رآه عندما دخل المدينة لماذا لم يستقبلني رؤساء وشيوخ؟ فأحد هؤلاءالأشخاص أراد أن يعتذر عذراً، فقال له : هم ضعفاء وليس عندهم دوابّ يعني هم يريدون أن يخرجوا لك إلى خارج المدينة إلا أنهم لا يملكون دوابّ لذلك، وهؤلاء وضعهم المادي ضعيف، وهذا يكشف أيضاً عن خطة إفقار الأمويين لمن كان يخالفهم.

   معاوية أراد أن يهزأ بهم فقال: ( فأين نواضحهم ) يقصد أن هؤلاء الأنصار ليسوا في مستوى رئاسة ولا مشيخة، وإنما مستوى أن يأتوا بالماء من العين إلى البيوت على النواضح - البعير الذي ليست فيه فائدة لأي شيء فيجعلوه لسقي الماء- وهذا الإنسان الذي ليس له عمل يصير آمراً لهذا الناضح، هنا قيس بن سعد بن عبادة الذي هو من رجال الأنصار الكبار ومن أولياء أمير المؤمنين المخلصين استُثير في هذا، فقال يا معاوية: ( نواضحهم نحرت في يوم بدر وأحد عندما قاتلوك عليها أنت وأباك وكنتم مشركين وهم مؤمنون فأظهر الله هذا الدين وأنتم كارهون ) هذه النواضح التي تسخر منها هي كانت أسلحتهم ضدك وضد والدك لنشر الإسلام، فإذا كان خليفة المسلمين يتحدث مع أنصار رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا المنطق من التحقير، وأسوء منه ما أوعز إلى الأخطل النصراني - شاعر وسكّير- لكي يهجو الأنصار ويسبّهم، هذا كان لسانه لسان هجّاء وبدأ هجاءه على الأنصار، ومما ورد في قوله مثلاً:

لعن الإله من اليهود عصابةً *** بالجزْع بين صليصل وصرارِ[٣]

خلّوا المكارم لستم من أهلها *** وخذوا مساحيكم بني النجار

ذهبت قريشٌ بالمكارم والعُلى *** واللُؤم تحت عمائم الأنصارِ

   يعتبر الأنصار أنهم يهود، وهو مسيحي ولكن شُجّع من قبل الخلافة الأموية لهجاء الأنصار، وأنتم أيها الأنصار لستم بأهل مكارم، بل أنتم من أهل الفلاحة فقط ولستم أهلاً للرئاسة. فالعلى والكرامة لقريش وأما اللؤم فهي من تحت عمائم الأنصار، حتى أنهم قالوا أنه استثار الأنصار ولاسيما من كان مؤيداً بعض الشيء لمعاوية.

   النعمان بن بشير كان معهم، وصار فيما بعد والياً للكوفة، ولعله هو وعدد بسيط من الأنصار الذين بقوا مع الأمويين، فيقولون أن النعمان بن بشير جاء إلى معاوية ورفع عمامته وحسر عن رأسه، وقال له: (ماذا ترى؟ فردّ معاوية قائلاً: ماذا أرى؟ قال: أترى لؤماً هنا؟ قال معاوية: لا أرى إلا العزة والكرم، فقال: ما يقول صاحبك؟ هذا الأخطل يقول: اللؤم تحت عمائم الأنصار، فلابدّ أن تكفّه، قال معاوية: قد وهبتك لسانه - أيْ إقتصوا منه- ( إلا إذا استجار بيزيد، ثم دسّ إلى يزيد أن أجِرْهُ، وأجاره ).

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة