إيهًا بني قيلة: العتاب الشديد من الزهراء عليه السلام للأـنصار
هذه الفئة التي كان لها الدور الأكبر في نصرة الإسلام، تخاطبها سيدة النساء عليها السلام تقول: ( إيهًا بني قيلة! - أم الأوس والخزرج- أَأُهضم تراث أبيَ؟- أمامكم يأخذون هذا الإرث علناً جهاراً - وأنتم بمرأى ومسمع ومنتدى ومجمع، تشملكم الصرخة وتصلكم الدعوة، لا نبرح أو تبرحون - كنتم تساندونا في هذا الخط - معروفون بالخير والصلاح والنخبة التي انتخبت والخيرة التي اختيرت، قاتلتم العرب، وتحملتم الكدّ والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم البُهم، نأمركم فتأتمرون، حتى إذا دارت بنا رحى الأيام ودرّ حلب الأيام ) فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله في الوقت الذي حصل فيه الانتصار، فالمفترض الآن تجعلوا أيديكم بأيدينا، ولا تتراجعوا فالأمر بيدكم.
فكان هناك عتاب شديد، ( فأنّى حِرتم بعد البيان؟ ) فلو كان أحدكم لا يعلم فهو معذور ولكن البيان واضح، والكلمات النبوية واضحة، والموقف واضح، لم هذا التحيّر؟
( وأسررتم بعد الإعلان ونكصتم بعد الإقدام - كانت مواقفكم المقدامة في المعارك واضحة جدًّا، فإذا بكم تتراجعون! – ( وأشركتم بعد الإيمان، ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة، أتخشونهم فالله، أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين) ثم تقول: ( أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض - أيْ تنازلتم وتهاونتم - وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض - وهو أمير المؤمنين عليه السلام- وركنتم إلى الدعة ونجوتم بالضيق والسعة، فمججتم ما وعيتم – أي مثل الذي في فمه شيء وثم يلقيه - ودسعتم الذي تسوغتم- أيْ يأكل ثم يتقيأ، بينما تلك المواقف التي عملتموها الآن أرجعتموها ولم تكملوها.
فكان هناك موقف صريح وواضح من قبل سيدة النساء فاطمة عليها السلام في تشخيص هذه الفئات المتعددة، في نفس الوقت الذي حمّلت فيه المسئولية الاتجاه القرشي وواجهتهم بالحجج والبراهين، واتهمتهم بأنهم يدبرون هذا الأمر عن عمد في ذلك، ومخالفين لكلام رسول الله صلى الله عليه وآله ولبصائر القرآن، عرّجت على موقف الأنصار وأدانت هذا الموقف وبينت أنه لم يكن متوقعًا منهم هذا الأمر، مع أن مواقف الأنصار بالإجمال فيما بعد قد تغيّرت ولعل هذا أيضًا جزء منه راجعًا لتأثير خطبة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.
الحالة المدنية فيما بعد من أهل البيت ولو على مستوى التعاطف النفسي والموقف القلبي كان موقفًا إيجابيًا، بخلاف الموقف القرشي الذي استمر عدائياً وواضحاً وصريحاً في مواجهتهم من الخلافة إلى من كان من أتباعهم، لاحظ الفرق بين عمرو بن سعيد الأشدق الأموي وبين النعمان بن بشير الأنصار كلاهما مع الأمويين، النعمان بن بشير الذي كان في الكوفة عندما ذهب إليها مسلم بن عقيل ، قال له: أنا لا أريد أن أتورط معك ولا أريد قتالك، فهذا ليس مثل موقف زياد بن أبيه أو عمرو بن سعيد بن العاص ومن شابه من هؤلاء الذين تورطوا في قضايا قتل وفتك وغيره.
النعمان بن بشير مع أنه كان من ضمن الموقف الأموي و هذا مدان ومرفوض إلا أنه بالقياس مع عمرو بن سعيد الأشدق، كان ألين ولقد وجدت النساء الفاطميات في رجوعهن من الشام إلى المدينة برفقة النعمان بن بشير شيئًا من الراحة والاستراحة، بخلاف ذهابهن إلى الشام الذي كان متعبا ومكربا ومجهدا،
[١] ) قليلة البقاء كالنبْت الأخضر
[٢] ) سيرة ابن هشام ص ٤٩٩- ٥٠٠
[٣] ) منطقتان في المدينة