فموقف قريش لم يكن موقفا إيجابياً في العموم ، فما يقارب من العشرين سنة هي المدة التي قاومت وحاربت وواجهت فيها النبي صلى الله عليه وآله ودعوته وحاولت القضاء عليه، ولذلك يتعجب الإنسان عندما يجد روايات في مصادر بعض المذاهب الإسلامية فيها مدح عظيم لقريش، فمثل ما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله ، ونحن نعتقد أنه لا يمكن أن يصدر من رسول الله صلى الله عليه وآله كقولهم: ( قدموا قريشًا ولا تتقدموها فإنهم لن يسوقوكم إلا إلى الهدى) فمثل هذا الكلام، أين كانت قريش خلال هذه العشرين سنة تسوق الناس؟ هل صار عندها انقلاب كيميائي أو فيزيائي من حالة العداء والحرب الطاحنة التي خاضتها مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أن أصبحوا أئمة هدى وأعلام تقى وغير ذلك؟ مالذي حصل وما الذي تغير؟
أوضح من هذا كلام أمير المؤمنين عليه السلام ولو أن هذا الكلام جاء فيما بعد، لكن هو ينبئ عن موقف الإمام عليه السلام، كان يقول: ( اللهم إني أستعديك على قريش ) يا رب كن لي عونًا على قريش، وكلمة أستعديك تعني أستغيثك وأستعينك فهؤلاء أعدائي، (للَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَ مَنْ أَعَانَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ أَكْفَئُوا إِنَائِي وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي وَ قَالُوا أَلاَ إِنَّ فِي اَلْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ وَ فِي اَلْحَقِّ أَنْ تَمْنَعَهُ فَاصْبِرْ مَغْمُوماً أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ وَ لاَ ذَابٌّ وَ لاَ مُسَاعِدٌ إِلاَّ أَهْلَ بَيْتِي)
فعندما وصل إليه خبر أن الجماعة في أثناء السقيفة احتجوا بأنهم من شجرة النبي صلى الله عليه وآله من شجرة واحدة وهي شجرة قريش والنبي من هذه الشجرة، تبسم الإمام وقال: ( احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة )، فالشجرة بذاتها ليست مهمة وإنما أهميتها لأجل ثمرتها وهي علي بن أبي طالب. وهكذا الكثير من الكلمات له صلوات الله وسلامه عليه.
يكفيك في ذلك الخطبة الشقشقية المعروفة وكان يرد عليهم يقول ( فإن أقُل ) أي إذا أتكلم وأُطالب بحقي ( يقولوا حرص على الملك )، بمعنى هذا علي بن أبي طالب كيف يكون زاهدًا وهو يطالب بالملك والرئاسة فهذا إنسان دنيوي ليس زاهداً فهو حريص على الدنيا، (وإن أترك يقولوا جبن من الموت ) وإذا أتركه وأسكت لا يتركوني، بل سيقولون هذا إنسان جبان ولا يطالب بحقه.
فهذا اللسان نحن نلاحظه في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وفي مواجهته لهم ومواجهتهم إياه، وفي كلام أمير المؤمنين عليه السلام، هناك حديث لو تمّ وهو موجود في مصادر العامة في الحديث عن الأئمة وأن عددهم اثنا عشر، يقول الراوي ( قال كلاماً ما سمعته، فصححه له أحدهم وقال من قريش) إذا تمّ هذا الحديث من ناحية السند فغايته غايةً أخرى، وهي أنه لا يأتي بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فيما بعد ويقول ( لو كان سالم مولى حذيفة حيًا لاستخلفته ) نقول له لا، لأن الخلافة لا تكون إلا للعرب القرشيين، والذي سيتبين أنهم من أهل البيت، لأن أهل البيت كلهم قرشيون، فلا تأتي بأحد من الموالي وتقول لو كان سالم مولى حذيفة وهو غير عربي وغير قرشي، لا تقول بأنه هو اللائق بالخلافة، لأن هذا ليس بصحيح. فحتى لو ثبتت هذه الكلمة فيه ( الأئمة اثنا عشر كلهم من قريش) فلا تنطبق إلا على أئمة أهل البيت عليهم السلام. هذا الخط أتى وضِمن عملية معينة استطاع أن يسيطر على الأوضاع وأن يأخذ الخلافة وأن يجري الخلافة ما أرادوا بالنحو الذي أراده.
موقف النبي وأهل البيت عليهم السلام من الأنصار: