مجتمع المدينة بعد النبي في الخطبة الفدكية
الفصل الرابع
كتابة الأخ الفاضل ياسر العرب
صياغة الأخ الفاضل عبد العزيز العباد
المقدمة:
مما جاء في خطبة مولاتنا سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام حينما وجّهت خطابها إلى الأنصار أنها قالت: ( إيهاً بني قيلة، أَأُهضم تراث أبيَ؟ وأنتم بمرأى مني ومسمع ،ومنتدى ومجمع، تلبسكم الدعوة وتشملكم الصرخة، وأنتم ذوو العدد والعدّة والأداة والقوّة، وعندكم السلاح والجُنّة توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت، قاتلتم العرب وتحملتم النصب والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم البهم لا نبرح أو تبرحون، نأمركم فتأتمرون، حتى إذا دارت بكم رحى الإسلام ودرّ حلب الأيام وخضعت نعرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين، فأنّى حُرتم بعد البيان، وأسررتم بعد الإعلان، ونكصتم بعد الإقدام وأشركتم بعد الإيمان، ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة أتخشونهم؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين، ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض، وركنتم إلى الدعة، ونجوتم من الضيق والسعة، فمججتم ما وعيتم ودسعتم الذي تسوغتم ، فإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد). صدقت سيدتنا ومولاتنا الزهراء صلوات الله وسلامه عليها
سيتناول حديثنا في ظلال خطبة فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها تحليلاً للمواقف في المجتمع المدني المسلم، وذلك بُعيد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، حيث بَيّنت خلال هذه خطبة أنّ هناك ثلاث فئات في هذا المجتمع نعرض لها بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
الفئة الأولى: أهل البيت عليهم السلام
يتمثل في رأس هذه القائمة والعنوان أمير المؤمنين عليه السلاومن تبعه من بني هاشم ومن كان من أنصاره سواء من الأنصار أو من بعض المهاجرين.
الفئة الثانية: التيار القرشي
هذا التيار القرشي وهذا التجمع هو الذي انتهى به الأمر إلى أن يسيطر على الخلافة ضمن إطار جمعته الحالة القرشية والذي تمكّن من الاستمرار كوجود متصل في الحكم في الأمة بل حتى على مستوى الفتوى والقضاء وما شابه ذلك .
الفئة الثالثة: الأنصار
الأنصار هم سلالة قبيلة الأوس والخزرج والذين كانوا في الأصل قبائل يمنية مهاجرة من اليمن، حيث استقرت منذ القدم في المدينة المنورة، فبعضهم يُرجع أصل وجود هاتين القبيلتين في المدينة المنورة إلى الزمن الذي إنهار فيه سد مأرب في اليمن ، والذي أدى حدوثه إلى حالة من القحط والجدب وسببّت هذه هجرات. وكما هو معروف فاليمن هو مخزن سكاني للعرب كقحطان والقبائل اليمنية الأخرى، حيث تجدهم منتشرين في كل مكان في المدينة وفي الكوفة والتي أصبحوا فيها أكثرية تقريبًا، وفيما بعد هاجروا إلى لبنان وإلى الشام وإلى قم وبلاد الري وهذه القبائل اليمنية الموالية لأهل البيت نقلت التشيع.
فمن هذه الفئات هاجرت الأوس والخزرج إلى المدينة المنورة واستقرت هناك، فحدث في بداية مجيئهم مشاكل بينهم وبين اليهود، ولكن فيما بعد صار الاستقرار لهم وكأنما السيادة والزعامة أصبحت لهم والمال والاقتصاد أصبح بأيدي اليهود.
ما حقيقة موقف قريش من دعوة النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت؟
هذه الفئات الثلاث هي التي كانت حاضرة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله بُعيد وفاته، وهناك ملاحظة تستوقف الباحث والناظر في التاريخ وهي أن لسان الروايات سواء من نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله أو من لسان أهل بيته الطاهرين عليهم السلام كانت باتجاه الفئة الثانية والثالثة، أما الفئة الأولى وهم أهل البيت عليهم السلام فواضح موقفهم، يبقى لسان الروايات تجاه قريش والتجمع القرشي واتجاه الأنصار - الأوس والخزرج - فيلاحظ أن هذه الكلمات ولسان الروايات تجاه قريش كان سلبياً بمعنى أن الروايات الواردة المعتبرة عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله في شأن قريش لم تكن إيجابية، وأوضح من ذلك كلمات أمير المؤمنين عليه السلام، ويُعضّد هذا أن مواقف قريش التاريخية تجاه الدعوة أيام النبي صلى الله عليه وآله وما بعده كانت في الاتجاه المخالف، ويمكن القول بأنها القبيلة الوحيدة والمجتمع الوحيد – قبيلة قريش - تقريباً الذي حارب دعوة النبي صلى الله عليه وآله عشرين سنة ، ثلاثة عشر سنة حينما كان في مكة المكرمة فكانت الحرب الغير عسكرية بينهما قائمة، فكانت هناك المعاداة من قبل القرشيين والزعامات القرشية والعوائل القرشية الكبيرة مع الرسول صلى الله عليه وآله ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة المنورة استمرت قريش في المعادة والحروب العسكرية مع النبي صلى الله عليه وآله إلى أوائل السنة السابعة للهجرة.