كيف تحدث القرآن عن الحسد ٦

كيف تحدث القرآن عن الحسد ٦
00:00 --:--

وهذا بالفعل حصل مع ذاك. عندما اختصه أبوه بشيء من الثلث. فقام بقية أخوته بتزوير كلام عليه، أدى إلى سجنه! لماذا هذا أخذ هذا المقدار من الثلث، والمفروض أننا شركاؤه فيه: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ)، الغاية ما هي؟ (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ). ولديهم التبرير، الحاسد لديه التبرير، يقول: (وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ). هذا العالم الفلاني، إذا أتكلم عليه، وأهتكه وأنشر ضده هكذا، يرتاح المجتمع. يكذب. هذا مثل: (وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ). هذا الحسد هو الذي يحركه في مثل هذا الأمر.

إذا يرجع إلى نفسه، يرى أنه يغالط نفسه. فهو لا يريد أن يكون صالحا، فكيف يكونون قوما صالحين وقد قتلوا أخاهم أو طرحوه في الجب، وقد جرَّحوا قلب أبيهم إلى حد أنه بكى عليه دهرا حتى ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم. أترى هذا يمكن له أن يحب هؤلاء؟! أتراه يراهم قوما صالحين؟! يعقوب يرى أولاده هؤلاء بعملهم هذا، وبشرهم، وبكيدهم، يراهم قوما صالحين؟! كلا.

نعم، فإذن، هذا واحد من الطرق التي تحدث عنها القرآن الكريم في أمر الحسد، أنه: جاء بالحسد وآثاره في صورة قصص واقعية جرت في أول مبدأ الخلقة ما بين إبليس وآدم، وفيما بعد، فيما بين أبناء آدم، وفيما بعد ذلك، بين أبناء نبي الله يعقوب.

ثم تحدث القرآن الكريم أيضا عن هذه الخصلة فيما بين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم. فمن الممكن أن يكون الحسد فردي، ومن الممكن أن يكون حسد ماذا؟ اجتماعي. فالقرآن الكريم يقول: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا)، لماذا؟ (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ). هؤلاء أهل الكتاب – على وجه الخصوص: اليهود - يتمنون لو أن العرب القرشين يرجعون وثنيين أصلا، يردونكم كفارا. سبحان الله، أنتم أهل الكتاب من مصلحتكم أن يكون هؤلاء الوثنيون سابقا، مؤمنين موحدين. على الأقل من أجل أن يشتركون معكم في عبادة الله، وإن اختلفوا معكم في النبي. مع ذلك، كانوا يتمنون لو يرجع العرب الذين أسلموا وآمنوا برسول الله محمد – لذكره صلوا عليه، اللهم صل على محمد وآل محمد – كفارا ويعبدون الأصنام. هذا أفضل إليهم. كانوا يتمنون – أي اليهود – زوال نعمة الإيمان عن المسلمين العرب، وأن يعودوا كفارا. لماذا؟ (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم)، كيف حسدا؟ لأن هؤلاء أصبحوا إما متساويين معهم، أو أرقى منهم درجة في الإيمان. وهم لا يريدون هذا الشيء. فحاضرين حتى لو يصبح هؤلاء كفارا، على أن يصبحوا أفضل منهم.

وقد ذكرنا في حديث سابق، أنه أحيانا الحاسد يحسد إنسانا على نعمة، ويتمنى أن تصل له بدل صاحبها. لكن لأنها لا تصل، يتمنى أن تزول عنه. حتى لو ما وصلت له، المهم أن تزول. هذا الإيمان الذي لديه ليذهب منه، حتى أصبح أنا – اليهودي – وإن لدي مقدار من الإيمان، أفضل منه وهو كافر، فلنجعله يرجع إلى الكفر أحسن؛ حتى أنا أبقى أفضل منه. هذا مورد.

وفيما يرتبط بنبينا محمد (ص)، أيضا ذكر بعض العرب حسدهم لرسول الله (ص): (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)، أهذا يستحقها؟! لا ينبغي أن تكون له النبوة، ولا يكون حديث الوحي معه، ولا القرب من الله له، ليذهب ذلك إلى غيره، لماذا له هو؟! نحن نتمنى أن لا تكون النبوة والرسالة والاتصال بالسماء والوحي، أن لا يكون ذلك عند محمد بن عبد الله، لتذهب إلى أي أحد غيره من أهل القريتين: من الطائف، أو مكة. لتذهب إلى أحد الكبراء – حسب التعبير – ، أهذا يأتي ويصبح رئيسا علينا؟!

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة