كيف تحدث القرآن عن الحسد ٦

كيف تحدث القرآن عن الحسد ٦
00:00 --:--

والأمر الآخر: التركيز هنا على قضية الإخوة. فالحسد لا يعرف قرابة ولا نسبا. فمن الممكن أن يحسد الإنسان أخاه لأبيه وأمه. كابني آدم هؤلاء، إذ تحققت فيهم هذه الخصلة السيئة، من قبل قابيل لهابيل. وسيأتي إن شاء الله، عند حديثنا في: من يحسد من؟ أن الحسد في الأقارب أكثر منه في الأباعد، وفي المتشابهين أقرب منه في المختلفين، وفيما بين الأرحام أكثر مما هو بين الأجانب عن بعضهم البعض. سيأتي الحديث. ولعل الآية المباركة أو الآيات المباركات التي تتحدث عن قضية ابني آدم، وبعد ذلك عن أبناء يعقوب، كما سيأتي الحديث، تريد أن تشير إلى هذا الأمر: أن هذه الخصلة الذميمة لا تعرف أخا ولا أختا ولا ابن عم ولا ابن خال ولا زوجا ولا زوجة. فمن الممكن أن تكون فيما بين هؤلاء. هذه هي القصة الثانية.

أما القصة الثالثة، فهي: قضية نبي الله يوسف - على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام - مع أخوته. وهي قضية معروفة: أن هؤلاء على أثر حسدهم له، كانوا يتمنون أن تزول محبة أبيهم ليوسف – المحبة الفائقة – فلا تعود له وتنصرف منه إليهم. كيف يحدث أن يكون: (لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ)! هذا كلام غير مقبول أصلا: (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، هذا شيء غير صحيح. ويترتب على هذا – كما سيأتي – أن الشر الذي يقوم به الحاسد ليس أمرا غيبيا كما يتصور بعضهم. فيقول لك: نحن نأتي إلى البيت فنرى غير طبيعية، فمؤكد أحدهم حاسدنا. لم يثبت لا علميا ولا شرعيا أن هذا النوع من الحسد يؤثر بهذه الطريقة في الإنسان.

أما قضية العين، ففيها بحث خاص، يمكن أن نشير إليه ونبين ما هو الحق فيها. لكن موضوع الحسد لا يؤثر تأثيرا غيبيا على المحسود. بمعنى أنه: لو أحدهم مثلا حسد إنسانا على سيارته فاحترقت، لا يوجد برهان أبدا على أن هذا من الحسد. أو فلان حسد إنسانا على ماله فضاعت منه، لا يوجد دليل على هذا المعنى. أو حسد إنسانا على زوجته فماتت، لا دليل على هذا.

فالحسد بالمعنى الذي تحدثنا عنه، بما هو تمني إنسان أن تزول النعمة عن شخص، ثم إما تكون له، أو لا تكون إليه، فالمهم ألا تبقى عنده وله، فهذا لا أثر له ضمن هذا الإطار. وإذا له أثر، أين الأثر؟ الأثر: (فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا).

فأثر الحسد في أنه يدفع الحاسد إلى أن يكيد للمحسود. معه في العمل، تقدم عليه، أصبحت مرتبته عالية، يبدأ يحسده. ماذا يصنع؟ يكيد له. فيقدم - مثلا - تقارير كيدية عنه، يحاول توريطه في أعمال غير قانونية، يتكلم عليه بما يشوه سمعته، وأشباه ذلك من المؤامرات. تحسد امرأة على مكانتها من زوجها، ومحبته إياها. فتكيد لها، ماذا تصنع؟ مثلا تزوِّر على اسمها رسائل بينها وبين أشخاص. هذا من الحسد، من الكيد، من الشر. هذا الذي يتورط به الحاسد، والشر الذي يتأتى منه.

لذلك، هم أصلا كشفوا عن هذا الكيد الذي احتمله نبي الله يعقوب: (لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا)، ما هو هذا الكيد؟ (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ)، ومشكلة الحاسد هنا، إما أن يتكلم على إنسان بكلام يشوه سمعته، أو يُقدِم على عمل أو فعل تؤامري عليه: نغرِّبه في مكان من الأماكن.

أحد المؤمنين نقل أن في أسرة من الأسر، كان أحد الأبناء مخصوصا بالثلث من أبيهم المتوفى، والأخوة الباقون لم يقبلوا هذا الأمر. فلماذا هذا يختص بالثلث؟! فالإنسان بحسب الحكم الشرعي، يجوز له من الناحية الفقهية، أن يتصرف في ثلثه، حتى لو خص به واحدا من أبنائه وبناته. نعم، ينبغي أن يلاحظ الآثار الأخلاقية التي يمكن أن تحدث بينهم كالبغضاء أو ما شابه ذلك.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة