النتائج المترتبة على بذاءة اللسان ٤

النتائج المترتبة على بذاءة اللسان ٤
00:00 --:--

إحدى هذه النتائج، نتائج اللسان البذيء: سوء العلاقات. فالإنسان يعيش حياته في المجتمع. ونادر أن يعيش إنسان وحده، ولا يرتبط بأحد. وبالتالي يحتاج أن يرتبط بزوجة، ويكون له أبناء، وجيران، وإخوة. ويعمل مع جماعة، ويتاجر مع أخرى. فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه. فإذا كان سيء اللسان، بذيء الكلام، فكيف يستطيع أن يصنع لنفسه جوا اجتماعيا بهذا المعنى.

وتبدأ القضية من بيته. فمن كان بذيء اللسان لا يستطيع أن يسعد في حياته الزوجية. وقسم من الناس يقول: أنا طبيعتي هكذا، طبيعتي عصبي، طبيعتي إذا أحد أخطأ بحقي، أخطئ بحقه، قال لي كلمة، أرد بعشرة! طبيعتك هذه فاسدة، أصلح نفسك. فلست محل فخر. والإنسان إنما يفتخر بالطبائع الحسنة.

كنت أقرأ في ترجمة بعض العلماء والأدباء، وهذه الصفة، سبحان الله، كل واحد عنده هذه الصفة، صفة: بذاءة اللسان، وجدتها تُسجل عليه. فتقول لك الترجمة: وكان شاعرا بذيء اللسان. فربما عنده ٥٠ صفة أخرى، ربما يكون كريما، سخيا، وكذا، لكن هذا العار يظل يلحقه.

بعضهم متوفى سنة ٣٦٠ هجرية، ونحن اليوم في ١٤٣٧، أي حتى بعد ألف سنة تقريبا، أقل من ١٠٠٠ سنة من الزمان، مع ذلك يعرف فلان من الناس أنه: وكان بذيء اللسان. فهذا النبز الذي يلحقه، وهذه الصفة السيئة التي هي عنوانه.

فالإنسان ينبغي أن يكون عنوانه الخير والصلاح، لا أن يعرف بهذه الطريقة. لكن هذه بذاءة اللسان، وفُحش القول أول عنوان يواجه الإنسان؛ لأنه لا تحتاج لشيء، فقط أن تسلم عليه وتقول له: كيف حالك؟ فإذا كان بذيء اللسان، تعال واستلم منه.

فالسخاء يحتاج أن تجربه، أن يصنع لك أكلة وجبة مثلا، أو أن تعاشره لمدة من الزمان. العلم أيضا، يحتاج إلى فترة من الزمان، تجلسان معا، تراه وتسأله، تأخذ منه وتعطي له، لترى هل هذا عالم أم ليس بعالم. لكن بذاءة اللسان لا تحتاج إلى شيء، ولا أن تجربها حتى. إذ تسمع عنها: فلان سب فلانا، وشتمه، وأفحش له القول.

فينبغي أن يلتفت الإنسان جيدا إلى هذا الجانب، وأن يجتنبه اجتنابا تاما. فلا يستطيع الإنسان صاحب اللسان البذيء والفاحش أن يصنع علاقات اجتماعية مع غيره: لا مع زوجته، ولا مع أسرته، ولا في داخل العمل الذي يعمل، ولا في محيطه العملي، ولا مع المجتمع.

فأي عيشة هذه التي لا يستطيع الإنسان أن يكوِّن فيها أية علاقة، حتى مع داخل أسرته وبيته. ولا يستطيع أن يشعر بطعم النعيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً)، فالقول السديد ينبغي أن يكون عنوانك. فإن لم تقدر عليه – ذاك البعيد – أي لم تقدر على القول السديد، "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخَرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت". ولذلك ورد في الحديث عن مولانا أمير المؤمنين (ع): "أَنَّ الحِلْمَ"، أو "الصَّمْتَ فدَامُ السَّفِيهِ"، فدام يعني: كمامة. أي أن هذا أحسن شيء يغطي به فمه؛ حتى لا يخرج منه الكلام. فدام، هي في الأصل، لهؤلاء المجوس الذين عندما يأتون إلى النار التي يقدسونها يجعلون على فمهم مثل الكمام الذي يستخدمه الأطباء الآن. فيقولون، هذا لكيلا يخرج من أنفاسهم شيء سيء، فيفسد قداسة النار! هذا يسمونه: فدام. وهذا الصمت، وهذا الحلم، وعدم الرد، يجعل أمام السفيه حاجزا عن الاستمرار.

ومن الآثار السيئة للسان البذيء: إيذاء المسلم، وإيذاء الآخرين. فالإيذاء على أقسام: قد يكون الإيذاء بالضرب، وقد يكون بالجرح وإخراج الدم، وقد يكون باللسان. وقد ورد في الشعر العربي: ولا يلتام ما جرح اللسان.

فهذه الجروح العادية تحتاج لثلاثة أيام، أقل، أكثر، حتى تبرأ وتشفى. لكن إذا أحد اعتدى على إنسان اعتداء لفظيا، وأفحش له القول، وشتمه، وسبه، فهذا من الممكن أن يبقى فترة طويلة من الزمان، يؤثر في نفس ذلك المعتدى عليه. وهذا من مصاديق إيذاء المؤمن والمسلم، وإيذاؤهما حرام. يقول ربنا سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا).

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة