فبين أن يأتي إنسان ويضرب أحدهم على وجهه، وهذا إيذاء. وبين أن يتفوه بكلمة من الكلمات يكون إيذاؤها أعظم من لطمة وصفعة خد. ولذلك يقول سيدنا أمير المؤمنين (ع): "إِيَّاكَ إِيَّاكَ وَمُسْتَهْجَنُ الكَلَامِ، فَإِنَّهُ يُوغِرُ القَلْبَ". أي يجعل القلوب غير صافية، يوغر قلب الآخرين عليك.
وآخر نتيجة نتعرض لها هذا اليوم، هي: أن الإنسان إذا تعود على فاحش من القول على الناس، فلا يتوقف عند هذا. أرأيتم في بعض الأماكن، وفي بعض المناطق، كيف يصل الأمر إلى سب الله عز وجل. هذا صحيح أم لا؟ ويصل إلى سب الدين، إلى سب الله، بكلمات يقشعر لها بدن الإنسان.
هذه لم تأتي مباشرة، وإنما بدأت بالبذاءة والسباب لشخص، فاستمرأ بذيء اللسان هذا الشيء، ثم ترقى في زعمه، حتى صار يفعل أكثر من ذلك. وأصبحت طبيعة عنده، ولا يقف أحد أمامه، ولم يفهمه أحد أن هذا شيء يهز شخصيتك ويحطم ذاتيتك. حتى بالتدريج وصل إلى سب الدين، وبعد ذلك إلى سب ربه الذي أنعم عليه بوجوده.
فإذا الإنسان كان عاقلا، ينبغي أن يقشعر بدنه أمام أول كلمة سيئة، وليس عند آخر كلمة. أنقل لكم هذه الحادثة، وأنهي بها الحديث إن شاء الله.
في الحديث المعتبر، في الكافي أيضا، عن سماعة، قال: "دَخَلْتُ" – أحد أصحاب الإمام الصادق (ع) – قال: "دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فَقَالَ لِي مُبْتَدِئًا: يَا سُمَاعَة، مَا هَذَا الَّذِي كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ جَمَّالِكَ؟ إِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ فَحَّاشًا أَوْ سَخَّابًا أو لَعَّانًا". كأنما هو مستأجر من جمَّال، صاحب دابة في ذلك الزمان، مثل تاكسي الآن أو ما شابه، فصار بينهما كلام. فالإمام (ع) قال له: ماذا هذا الذي كنت تقوله إلى الجمَّال! أي الذي استأجرت منه جماله. إياك أن تكون بهذه الصورة، بذيء اللسان، لعَّان، تهام. فقلت: والله لقد قلت ذلك لأنه ظلمني. فصحيح أن كلاما شينا صدر مني، لكنه هو أيضا ظلمني.
فهناك قسم من الناس هكذا، تتفق معه مثلا، على التاكسي: المشوار ٥٠ ريال، لكنه بعد قليل، يبدأ يتكلم عن غلاء البنزين وكذا، وأنه أنا ظننت المكن أقرب من هذا، وإلى آخره، ثم لا يقبل إلا أن تزيده. فإذا لم تفعل، فمن الممكن أن يتكلم عليك!
كأن هذا الذي هو من طرف سماعة، كان من هذا النوع، فقال: ظلمني. اتفقت معه بمقدار معين، وهو أبى إلا أن أكثر من ذلك. فأخطأت عليه، فقال: "إِنْ كَانَ ظَلَمَكَ فَقَدْ أَرْبَيْتَ عَلَيهِ، إِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ فِعَالِي وَلَا آمُرُ بِهِ شِيعَتِي". إذا هو ظلمك، فأنت لما سبيته، صرت أكثر منه ظلما، وأسوأ مما هو عليه. "لَقَدْ أَرْبَيْتَ عَلَيهِ" يعني: زدت على فعله. وهذا الكلام الذي تقوله ليس من فعالي أنا جعفر، ولا من فعال شيعتي ولا آمر به شيعتي. "اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ وَلَا تَعُدْ". قلت: "أَسْتَغْفِرُ اللهُ وَلَا أَعُودُ". فعلا الرجل هم استمع النصيحة وقبلها من الإمام (ع).
ينبغي للإنسان أن يطهر لسانه قدر الإمكان، وإذا زل في مكان من الأماكن، يقوم بأمرين: الأمر الأول: أن يستغفر ربه لأنه تجاوز الحد الإلهي، والثاني: أن يعتذر لذلك الطرف؛ لأنه تجاوز حقه معه، فتكلم كلاما سيئا على زوجته، وعليه أن يذهب ويعتذر إليها، أو تكلمت هي بكلام سيء على زوجها، فبعد أن تستغفر ربها، تذهب وتعتذر إليه. ويعتذر الأستاذ إلى تلميذه إذا كان قد تكلم عليه بكلام سيء. ويعتذر رب العمل إلى العامل إذا كان قد شتمه، فبعد أن يستغفر ربه، ينبغي أن يعتذر للعامل. لا تتصور أنه من حقك، ما دام هو قد جاء من كذا، من الجنسية الفلانية، فلك أن تسوقه بكم كلمة وكم لعنة وإلى آخره، بحجة أنه مقصر في العمل. لا. "لَقَدْ أَرْبَيْتَ عَلَيهِ". يقول الإمام (ع).