وأحياناً نتعجب و يحق لنا التعجب من أن قضية بسيطة كيف أثارت غصب هذا الإنسان.
فعلى سبيل المثال، شخص ما يشاهد مبارة بين فريقه المفضل و بين الفريق الآخر، ففي لحظة ما أحد اللاعبين لا يضرب الكرة بالنحو الذي هو يريده ، طبعاً هو جالس على الكنب يشاهد، فعندما لا يسدد ذلك اللاعب كرةً نحو الهدف أو في الشبكة، حينها تنتابه حالة غضب فيبادر قائلًا: يا فاعل, يا تارك، ما تفهم، ما تعرف كذا.
هذا الشخص ( و هو جالس تحت المكيف) يريد أن يلعب ذلك اللاعب بالطريقة التي يريدها. يريد أن تجري الأمور كما يحب، بدءًا من الشارع الذي يريد أن لا يزاحمه فيه أحد، الى ذلك اللاعب الذي يلعب الكرة و الذي يرى أن عليه أن يلعب بالطريقة التي يريدها، و الى غير ذلك من الأمور. قبل مدة من الزمان تناقل الناس حادثة قتل سببها لعبة ننتندو و السوني وماشابه ذلك يلعبون بالتالي مبارة بينه وبين زميله كلاهما من أبناء ١٧ و ١٨ سنة واحد منهم من هؤلاء الغاضبين لم تأتي الأمور كما يريد كما يحب وفاز عليه صاحبه الآخر فبلغ منه الغضب مبلغه قام وضربه بآلة حادة الى أن مات ذلك الطرف الآخر فعلاً تلك اللعبة تحولت الى مشروع جنازة.
هنا أود التنبيه إلى أن هذه الالعاب ليست العابًا برئيةً. إنما هي تنمي في الإنسان حالةً من العنف و حالة من الشراسة و تغري الإنسان بأن يتابع غضبه. فهي باعثة على التذمر الشديد. يلاحظ أن هذه الالعاب تجعل اللاعب لها و لا سيما اذا كان في بدايات العمر تجعله شرساً.
تجعله يفرغ غضبه ولو كان في اللعبة تخليه يبرز غضبه بأقصاه بحيث إذا كان يقدر يحطيم و يهشيم الطرف الثاني الى آخر مستوى يفعل ذلك بالتدريج تتحول الى حالة داخلية لدى الشخص فتجعله يجري وراء غضبه دون تروي و تعقل. لذلك ينبغي تحذير الأبناء من هذا النوع من الألعاب الذي فيها حالة العنف فيها حالة شراسة فيها حالة تذمير. لا نقول هذه مجرد لعبة يلعبون و تنتهي. لا، هذه أداة لتوصيل مفاهيم تربوية خاطئة الى داخل نفس الأبناء، فتعودهم على الشراسة و تحبب إليهم التدمير و ترسخ فيهم صفة الغضب. فصور بعض هذه الألعاب وصور شخصياتها الذي يتحدثون عنها هي صور الغضب في أعلى درجاته. تصور الغضب على أنه حالة مقترنه بالبطولة.
و هذا السبب الثاني و السبب الأول هو الرغبة لدى قسم من الناس بحب إخضاع الغير لإرادته، فيرى أن الأمور يجب أن تجري كما يريدها هو. فأن تأخرت بدرجة أو بأخرى ، ظهر عليه الغضب. فتراه يستثار و يواجه و يحاول أن يعبر عن رفضه بذلك.
السبب الثاني أن لدينا ثقافةً خاطئةً فيما يرتبط بالغضب. فما هي تلك الثقافة؟
إن الغضب ملازم للقوة، فعليه إن الشخصية المهمة إذا غضب فلا أحد يستطيع أن يكلمه. هذه قناعة ثابتة لدى البعض. هكذا إنسان بهذه العقلية هو إنسان سيىء. هذا إنسان طاغيةً. هذا ماذا يعني "لا احد يكلمه"!!! هذه ليست صفة حسنة حتى يفتخر بها. هذه ليست خصله حسنة حتى يشاد بها أو تعتبر بطولة. هذه رذيلة من الرذائل. الانسان المؤمن هين لين، و كما وصفه أمير المؤمنين "حزنه في قلبه وبشره في وجهه" و يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة. الشخصية المثالية ليست هذه الشخصية التي تعبر عنها، إنه ليس هذا الإنسان الذي إذا غضب فليس بمقدور أحد أن يتكلم معه، و إذا جاء الى بيته خيم الصمت على جميع أفراد عائلته. هذه ليست صفةً حسنةً، عشان انت جاي تتجار فيها و تروج عليها. هذه لا قيمة لها في ميزان الأخلاق. ميزان الأخلاق هو مايقول به القرآن الكريم، و القرآن الكريم يقول ( واذا غضبوا هم يغفرون )، ميزان الأخلاق "و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين" هذا هو الميزان الكبير لأخلاق الإنسان الذي ينبغي أن يشاد به و يقاس عليه. هذه واحدة من الأسباب التي تذكر ، و عندنا روايات في هذا الباب كثيرة سوف نتعرض لها بعد قليل، تشير الى تقبيح أمر الغضب بخلاف ما هو موجود عند بعضنا الذي يعتبر أن قضية الغضب مفخرة من مفاخره، و أنه علامة على القوة و على هيبة الشخصية. نبينا محمد المصطفى صل الله عليه و آله و سلم يقول ( الغضب جمرة من الشيطان ) ما هو مفخرة. هذه جمرة من جمرات الشيطان، و الامام الصادق عليه السلام يفسر هذا الحديث فيقول: الا تراه حين يغضب كيف ينتفخ شدقاه"، و ما تشوفه كيف يتغير وجهه و عيناه و كيف تصير. هذا معناه أن جمرة الشيطان اشتغلت في داخل قلبه. هذه جمرة الغضب. فأنت لا تستطيع أن تمتدح واحدًا بهذه الصفة، بل على العكس من ذالك فهذا محل ذم. في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام يقول: "الغضب جند من جنود إبليس". و هذا الشخص الذي تكون عنده هذه الحالة يستقوي بجنود إبليس. و يقول عليه السلام في موضع آخر " لا نسب أوضع من الغضب". أنت اذا تريد أن تنسب واحدًا تعطيه نسب، تعطيه صفة فتقول عنه مثلاً "فلان الغضبان". فلان الذي دائماً يغضب هذا اسوء نسب تعطيه إياه، لكن إن قلت عنه "فلان الطيب" فهذه مفخرة له، أو قلت عنه "فلان العفو الكريم" فهذه أيضًا مفخرة له. أما إذا أردت أن تعطيه نسب وضيع، فقل عنه "هذا الإنسان الذي يكثر غضبه", أو إذا غضب لا يرد غضبه أحد. أنت هنا تذمه و تسبه و تشتمه في الواقع.