وهذا ما تُشير إليه هذه المناجاة “الـهي مَنْ ذَا الَّذي ذاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً، وَمَنْ ذَا الَّذي اَنـِسَ بِقُرْبِكَ فَابْتَغى عَنْكَ حِوَلاً” هذا فيما يرتبط بمحبة الله سبحانه.
كلمات في محبة الله سبحانه:
هذه المحبة نجدها في كثير من كلمات المعصومين (ع)، وفي آيات القرآن الكريم، و ينبغي أن نفتش عن مظاهرها، حتى نرى هل تتجسد فينا محبة الله عز وجل في درجاتها العالية أم لا.
لدينا وصفٌ في القرآن الكريم عن المؤمنين انهم اشد حبا لله “وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّله” وعند المقارنة والمقايسة، هل ما عندكم من أموال وأولاد وتجارة أحب إليكم من الله ورسوله (ص)؟ّ فذلك يُبَين أن محبتك محبة غير حقيقية لله سبحانه.
في مقابل ذلك نجد في كلمات المعصومين (ع) من الأحاديث والروايات ما يُنبئ عن الصورة العليا التي ينبغي أن يكون الإنسان عليها من المحبة. نقرأ منها مثلا ما جاء في دعاء الإمام الحسين (ع) في يوم عرفة، وهو دعاءٌ يُنصَحُ بقراءته في كل وقت وليس فقط في عرفة، يقول الإمام “اَنْتَ الَّذى اَزَلْتَ الاَْغْيارَ عَنْ قُلُوبِ اَحِبّائِكَ حَتّى لَمْ يُحِبُّوا سِواكَ” أي قلوب أحبائك ليس فيها وجود لغير الله، ويكمل (ع) الدعاء “ماذا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ، وَمَا الَّذى فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ، لَقَدْ خابَ مَنْ رَضِىَ دُونَكَ بَدَلاً” يعني إن كان هناك من يبحث شخص يجعله بديلا عنك في قلبه فهذا مخطئ وغيرُ سالكٍ طريقًا.
الإمام السجاد (ع) يقول “الهي لو قرنتي بالأصفاط ومنعتني سيبك على رؤوس الأشهاد” أي لو كل الناس كانوا حاضرين وأنت لم تعطني شيئًا لما خرجَ حُبُكَ من قلبي، ولو منعتني من الرزق وقيدتني وعذبتني لم يخرج حُبُكَ من قلبي لأنه أعمق من هذا. وفي دعاء كميل أيضا نقرأ “إن أدخلتني النار أعلمت أهلها أني أحبك”.
وأيضا كلمة الإمام الصادق (ع) كلمة عظيمة جدا، يقول “سيدي أنا من حبك جائع لا أشبع ، أن من حبك ظمآن لا أروى ، واشوقاه إلى من يراني ولا أراه” هذه حالة من التعلق والمحبة لله لا نجدها إلا في مثل الأئمة (ع) ومن يسيرون على منهجهم.
مقاييس درجات حب الله:
الآن هل نعرف أنفسنا هل نحب الله أم لا؟ وبأي درجة؟ هناك مقاييس تُبين لنا درجات حب الله عند الإنسان:
أول مقياس: كثرة ذكر الله على لسان الإنسان وفي قلبه.
هناك قسم من الناس والعياذ بالله تَمُر ساعات دون أن يذكر ربه بلسانه فضلًا عن أن يذكره بقلبه وهي درجتان مختلفتان.
حين نقول “أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ” أي بتَذَكُرِ الله وهيمنته وقدرته على إنجائك من مشاكلك ورزقك في فقرك، إذا تذكرت هذا المعنى فهذا تذكر قلبي، وإذا تذكرت هذا المعنى اطمأن قلبك.
فهناك ذكر لفظي وهو طريق للذكر القلبي مثل قول “سبحان الله”، “الحمد لله”، وأمثال ذلك. والمطلوب من هذا الذكر اللساني أن يجعل قلبك متذكرًا لله، فهما درجتان، الأولى الذكرُ اللساني، والثانية الذكرُ القلبي.
الفرق بينهما ماذا؟ نأخذ مثال: أنت تقود سيارة، تصل إلى إشارة حمراء، تُنَازِعُكَ نفسك أن تتجاوزها، تتذكر أن ذلك سيلزمك بمخالفة بالمبلغ الفلاني، فإذا تذكرت ذلك تتوقف بدون حاجة إلى أن تتلفظ بذلك بلسانك، تذكرته بقلبك، تذكرت أن هناك قانون يُلزم بمخالفة بهذا المقدار، وهذا جعلك تتوقف ولا تتجاوز الإشارة.
إذا صار الإنسان عند إقدامه على شيء يتذكر “ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّه” يعرُض عليه أمر، يهُم بفاحشة أو معصية، هناك ذَكَرَ الله فيتوقف، مثل الذي ذكر مخالفة تجاوز الإشارة، حتى بدون أن ينطق ولكن يتذكر الله في قلبه ويتوقف، وهذا طبعا ذكرٌ أعلى من الذكر اللفظي. مثلما حصل ليوسف (ع)، رأى برهان ربه واستحضر ربه في قلبه فمنعه عن ارتكاب المعصية أو حتى أن يُفكر فيها كما هو رأي الإمامية.
فإذن اختبر نفسك في مقدار محبتك باختبارين، اختبار الذكر اللساني واختبار الذكر اللفظي،
الآن أنت إذا تحب شخصا ما فمن الصعب أن تنساه، أو قليل أن تنساه، ولكن إن كنت تعرف إنسان أنت لا تحبه، ولا يُهِمُك في شيء، قلبك ليس متعلقًا به ربما تمر فترات طويلة دون أن تتذكره، الذي تحبه تستجلب سيرته وتتذكر مواقفه وتأتي بذكره على لسانك. والدك مثلا رباك وأحسن إليك فمن الممكن في كل مناسبة أن تتذكره وتقول رحمه الله، فهذا ذكر لساني، وهناك ذكر قلبي.