مقاييس محبة الله تعالى

مقاييس محبة الله تعالى
00:00 --:--

محبة الله سبحانه .. مقاييسٌ وعلامات


كتابة الأخت الفاضلة فاطمة آل السيد 
رُوي عن سيدنا زين العابدين (ع) في الصحيفة السجادية ما عُرف بمناجاة المحبين في خطابه لله عز وجل قال: “اِلـهي مَنْ ذَا الَّذي ذاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً، وَمَنْ ذَا الَّذي اَنـِسَ بِقُرْبِكَ فَابْتَغى عَنْكَ حِوَلاً، اِلـهي فَاجْعَلْنا مِمَّنِ اصْطَفَيْتَهُ لِقُرْبِكَ وَوِلايَتِكَ، وَاَخْلَصْتَهُ لِوُدِّكَ وَمَحَبَّتِكَ، وَشَوَّقْتَهُ اِلى لِقائِكَ، وَرَضَّيْتَهُ بِقَضائِكَ، وَمَنَحْتَهُ بِالنَّظَرِ اِلى وَجْهِكَ، وَحَبَوْتَهُ بِرِضاكَ، وَاَعَذْتَهُ مِنْ هَجْرِكَ وَقِلاكَ”

هذه فقراتٌ من المناجاة المروية عن الإمام زين العابدين (ع) في الصحيفة السجادية والمعروفة بمناجاة المحبين.
 هناك ١٥ مناجاة مروية عن الإمام زين العابدين (ع) تُصَوِر مختلف حالات الانسان المؤمن في علاقته مع الله. هناك مناجاة المحبين التي تُصور علاقة الحب بين العبد وربه، هناك مناجاة الشاكين “اِلـهي اِلَيْكَ اَشْكُو نَفْساً بِالسُّوءِ اَمّارَةً، وَاِلَى الْخَطيئَةِ مُبادِرَةً، وَبِمَعاصيكَ مُولَعَةً” تتحدث عن هذا الجانب، جانب شكوى الإنسان المؤمن من مشاكل نفسه الأمارة بالسوء، ومن الشيطان الذي يُغريه ويُغويه وهكذا، أيضا مناجاة الشاكرين تُصور حالة عجز الإنسان المؤمن عن شكر الله عز وجل نظرًا لتَتَابع وترادف عوائِد الله ونعمه عليه، فكلما قال الإنسان “لك الحمد يا رب” وجب عليه أن يقول “لك الحمد” لأن هذا التوفيق لحمد الله هو نعمةٌ من نعم الله على الإنسان حين يُوفَق لِشكر الله وذكره، المناجاة الأخرى مثل مناجاة المريدين ومناجاة المستغفرين ومناجاة التائبين تُصور مختلف حالات الإنسان، وفيها تعليم للإنسان المؤمن بكيفية خطابه مع ربه في اختلاف حالاته.

- معنى المناجاة:
المناجاة ماذا تعني؟ الفعل نجى وناجى، ومنه تُشتق كلمة المناجاة، هو عبارة عن حديث بين اثنين يتسم بطابع الخصوصية، وإلى حدٍ ما فيه جانب الستر والسرية وأحيانًا يكون بصوت منخفض، ولذلك سُئِل سيدنا رسول الله (ص): أبعيدٌ ربُنا فنُنَاديه أم قريبٌ فنُناجيه؟
إذا كان بجانبك شخصٌ تتحدث معه بشكلٍ خاص وبصوتٍ منخفض، هذه يُقال لها مناجاة، وفي القرآن الكريم استخدامات متعددة لها، منها مثلًا ما ورد في آية النجوى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً” وكان هذا نظام امتحاني من قِبَل الُمشرع الإسلامي ليتبين للناس كم هم حريصون على هدايات النبي (ص).

نجد قِسْمًا من الناس مادامت المسألة لا تكلفه شيء، فيذهب ويمضي وقته مع النبي (ص) حسب التعبير، لذلك فُرض عليهم في أول الأمر أنه إذا أراد شخص أن يناجي النبي (ص)، يريد أن يأخذ ويُعطي معه، لديه قضية أو مسألة فيجب عليه أولا أن يَتَصَدَقَ على فقير، ففيها منفعةٌ للفقير وثواب للشخص، وحتي يتبين من هو المستعد لأن يجتمع اجتماع خاص مع النبي (ص) بنصف درهم. وقِيل في التفسير أنه لم يلتزم بهذا الأمر إلا علي ابن أبي طالب (ع)، أراد أن يناجي النبي (ص) فَقَدَمَ صدقة، وفي المساء كذلك، وغيرُ عليٍ (ع) حسب ما ورد في التفسير لم يكن مستعدًا أن يُعطي مقدارًا من المال مهما قل أو صغر من أجل أن يحظى بلقاءٍ خاصٍ مع النبي (ص)، وهذه آية النجوى من آيات فضائل أمير المؤمنين (ع).

النجوى إذن نوع من التواصل بين اثنين، وأحيانا أكثر ولكن فيها جانب استتار عن الآخرين كما في قضية يوسف (ع) حيث قال “خَلَصُوا نَجِيًّا” حينما نبي الله يوسف (ع) أخذ أخاه بتلك الطريقة المعهودة، قام اخوته بالتشاور فيما بينهم مشورةً سرية، ماذا نصنع مع وصية أبينا حيث قال لا ترجعوا إلا مع أخيكم؟ “خَلَصُوا نَجِيًّا” أي بدأوا يتشاورن بشكل خاصٍ وسري، المناجاة مأخوذة من هذا ووَرَدَ فيها كثير من الروايات والأحاديث.
 ومن الآداب أيضا ذُكر أن لا يتناجى اثنان والثالث ينظر إليهما. أحيانا مثلا أنت في مجلس والمجلس فيه عامة، فأنت تترك هذا الشخص الثالث أو الرابع لوحده وتنصرف بالحديث كاملا إلى شخص من الأشخاص غير مكترث بمن هو حاضر، فهذا يؤثر على الطرف الثالث والرابع لأنك لم تُشْرِكْهُم.
 
بالنسبة إلى الخطاب مع الله، إذا انفرد الإنسان بالله في خطابه له ودعائه إياه يُقال ناجى ربه، ولذلك لدينا في القَسَم والتوسل “اللهم إني أسالك بمحمد نبيك وبموسى نجيك” أي من ناجيته، باعتبار أن الله تكلم مع موسى (ع) كلامًا خاصا فهو كليم الله.
المناجاة بين العبد وخالقة مأخوذ فيها أن يكون هناك انفراد ونوع من الستر، ولذلك عادةً يُرغب فيها أن تكون في جوف الليل، وأن يناجي الإنسان ربه في جوف الليل منفردًا، هذا غير الدعاء الجماعي مثلا، فهذا تعريف لموضوع المناجاة.
 
ومن تلك المناجاة مثلا مناجاة المحبين، ولدينا مناجاة كثيرة قلنا أن من جملتها ما جاء في الصحيفة السجادية عن الإمام السجاد (ع). 
المحبين جمع محب، والحب عبارة عن ميل القلب إلى شيء أو ذات تبعًا لأسباب. إذا مال قلب الإنسان إلى شخص، يعني أنه أحبه، أو مال إلى شيءٍ من الأشياء كمنزله مثلا، فيكون أحب منزله، والغالب أن يُنظر فيها إلى ذوات، ومن الذوات التي يميل القلب إليها هنا ربنا سبحانه وتعالى، فلذلك يُحب الإنسان المؤمن ربه “وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّله”

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة