تنقسم هذه الفئات لدرجات، ففيها قسم ممن يؤمنوا بهذا الدين بصدق يتفاعلون معه بإخلاص ويضحون بحياتهم من أجله ويمضون فيه كالحديدة المحماة، وقسم آخر في حالة متوسطة وقسم ثالث يقبلون ادنى درجة ينتظرون لمن الغلبة في هذا الدين، فإن انتصر ( قالوا ألم نكن معكم [٤]) فلنكن شركاؤكم في الغنائم، أما إذا انهزم فهم أصحاب الذين وصفهم القرآن الكريم ( نخشى ان تصيبنا دائرة[٥]) فيعودوا إلى قواعدهم الأصلية التي كانوا عليها، فهم لا زالوا على ارتباط بالوضع السابق.
وقد قال بعض المسلمين عندما حدث في بعض المعارك هزيمة وقيل في حنين قال مجموعة لبعضهم هلموا فلنأخذ من عرب قريش عهداً ونكون معهم كما كنا في السابق بمعنى خطوة هنا وخطوة هناك فهم كالمذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
إذن هذه ثلاث فئات على الأقل فيهم من يقبل الدعوة فالرساليون المخلصون الذين أحرقوا كل السفن الماضية ويُقبلون بأنفسهم وأموالهم وحياتهم على هذا الدين، وفئة متوسطة الولاء والانتماء، وفئة متذبذبة قدم هنا وقدم هناك.
وأيضاً في طرف المعادين يوجد هناك أعداء لهذا الدين ولهذه الدعوة وفي شدة العداء وهناك قسم في الوسط وقسم ثالث يرى أن الأمر لا يستدعي الخروج والقتال فقط ينتظر إلى ما تؤول له النتائج وهذا الأمر كما حصل في الإسلام حصل في سائر الديانات، فالمسيحيون مثلاً عندهم أكثر من فئة فهناك فئة الحواريون ( قال الحواريون نحن انصار الله[٦] ) فهؤلاء خرجوا مع عيسى بن مريم عليهما السلام يخطون أثره، وفئة أخرى يطلق عليهم في العرف المسيحي الصديقيون وإن كان هذا الاسم على غير مسمى.
فهؤلاء مرة تجدهم عند الرومان الذين هم أعداء المسيح ومرة عند عيسى ابن مريم فالتجارة مع الرومان والمواعظ والنصائح يمكن الاستماع إليها عند عيسى بن مريم.
وهذا النموذج أيضاً عند اليهود، فمصادرة الفكر فعندما تأتي جماعة ويقولون الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله فهؤلاء صحابة والصحابة كلهم عدول ومؤمنون وصالحون، (... فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل اُحد ذهباً ما أدرك مُد أحدهم ولا نصيفه[٧])، فلو تأخذ أي فرد من أفراد الصحابة وتنفق أنت ما شاء الله من الانفاق الذي لا يحصيها إلا الله تعالى لن تصل إلى إلى ما وصل إليه هذا الصحابي، فهذا فيه تجاوز وتجافي للمنطق الاجتماعي العلمي في قبول الدعوات والديانات وان الناس فيها ليسوا على طريق واحد.
فلو نأخذ نظرة سريعة الآن سنرى أن أتباع المذهب الشيعي والذين يتبعون المرجعية الدينية نجدهم هؤلاء الاتباع ليس كلهم بمستوى واحد فهم درجات فهناك من يتبع المرجعية ٩٠% وهناك من يتبع بنسبة ٦٠% وآخر بنسبة ٣٠% وهكذا.
فعندما جاء النبي المصطفى صلى الله عليه وآله حدث نفس هذا المنطق الاجتماعي ، فكما أن هناك حواريون لعيسى ابن مريم هناك أيضاً صديقيون تارة مع الرومان الكفرة وتارة مع عيسى بن مريم، فكذلك نفس الكلام موجود بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله.
لذلك تجد أن القرآن الكريم عندما يثني ويمدح على مجموعة من الناس يمدحهم لصفات انطبقت عليهم كـ ( السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار[٨] ) ولم يقل أصحاب النبي فقط يمدح من تتوفر فيه هذه الصفات، فأنت تجد في الجهة المقابلة هناك ذم للبعض الآخر ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق[٩]) وفيهم ( وتظنون بالله الظنونا[١٠] ) وفيهم من يقول (غر هؤلاء دينهم [١١]) وفيهم من يسرون إلى أهل الكتاب وإلى كفار قريش بالمودة ويقولون نحن معكم بالسر (تسرون إليهم بالمودة[١٢] ).
فإذن هناك فئات مختلفة، فالسيدة الزهراء سلام الله عليها جاءت لتقرر هذه الحقيقة أن الفئة الأكثر إخلاصا والفئة الأكثر تضحية والفئة التي كانت في مقدمة الجيوش وتحملت الاذى هي فئة شيعة علي ابن ابي طالب عليه السلام، والتشيع ليس بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله نشأ وإنما جاء بمجيء علي عليه السلام، علي جاء وأظهر إيمانه حيث لم يكفر بالله طرفة عين، حيث بُعث رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الأثنين وعلي عليه السلام جاء معه يوم الثلاثاء في ذلك اليوم بدأ التشيع باعتباره الخط المقدام وباعتباره يتمثل في هذا القائد الاستثنائي الذي اختصه رسول الله صلى الله عليه وآله وأشارت فاطمة الزهراء عليها السلام إلى أن علي عليه السلام لم يكن شخصً وانماء كان قائداً لجماعة وقد أشار إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله في مواضع شتى من جملتها ما ورد في تفسير ( أولئك هم خير البرية[١٣] )، راجعوا التفاسير سواء من تفاسير مدرسة الخلفاء أو من تفاسير أهل البيت عليهم السلام على اختلاف الألسنة أن النبي الله صلى الله عليه وآله أشار إلى علي عليه السلام وقال: ( هذا وشيعته الفائزون ) وهذا الجمع الذين كانوا مع أمير المؤمنين عليه السلام كانوا جمع مميز ومعروف كأمثل أبو ذر وسلمان وعمار.