بالنسبة إلى: إذا أحد نازعه فيه، هو من حقه. ليس من حق عمه مثلا - عم المولود - ولا من حق جده لأمه، لو أراد أن يأخذ المولود. وفي نفس الوقت لو هو أراد أن يتخلى عن الموضوع، لا يجوز له ذلك. وإنما يجب عليه حفظ هذا المولود والعناية به. لذلك قرر العلماء مبدأ وقانونا، بعنوان: مسؤولية الوالد في الولاية على الولد نفسا، في حفظه ورعايته والعناية به. هذا أول أمر.
الأمر الآخر: ولاية المال. ولاية المال أيضا فيها الجانبان. لو فرضنا أن الطفل كان له مال. يحدث هذا. زيد من الناس – على سبيل المثال – عند ولادته تتوفى والدته. نقل: أن إمامنا زين العابدين (ع) علي بن الحسين السجاد، نقل: أن أمه توفيت في أثناء نفاسها به. وبالتالي ما تربى عندها، بناء على هذه الرواية. هذه المرأة لها ميراث، لديها أموال، بالتالي: يذهب قسم منها إلى الزوج - وهو بحسب القاعدة: الربع - ما دام لهذه الزوجة ولد أو أولاد، أما الباقي: إن كان لها ولد واحد، مثل زين العابدين، كما هو المشهور، فيحوز المال كله. وإن كان متعدد: فـ (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ).
فلو فرضنا في مثل هذا الأمر الآن. ورث الطفل مالا من أمه. هنا الأب مسؤول أن يحفظ المال لابنه. فإن كان يريد أن يصرف على هذا الطفل من نفس المال، جاز له. يجوز للأب أن يصرف على المولود نفقاته: الطعام، الشراب، اللباس، الطبابة، غير ذلك. قل له: هذا عنده ميراث من والدته، فأنا أصرف من هذا المال عليه، يجوز هذا. هو الولي في هذا الأمر. غيره لا يمكنه أن يأتي ويتصرف. مثلا، والد الأم يأتي ويقول له: "أنا اللي أريد أصرف على ابن ابنتي من ماله". ليس له حق. هنا الولاية للوالد. أو أراد أن يصرف من ماله، فهذا الأمر أوضح. أو لم يكن للمولود مال، فيجب على الأب - مع تمكنه - أن يصرف على هذا المولود ما يحتاج إليه.
وبالتالي الموضوع المالي، في الإنفاق على المولود، وفي حفظ أموال المولود – لو كان له أموال – من مسؤوليات الوالد. وهو الولي في هذا الأمر. وكأنما قضية مسؤولية الأب في الإنفاق على المولود متسالم عليها. ففي الآية المباركة التي تتحدث عن إنفاق الوالد على المرأة المطلقة التي هي حامل، فرضنا: زيد من الناس طلق زوجته وهي حامل، يجب عليه أن ينفق على هذه المطلقة من الأموال، لماذا؟ يقول: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ)، فحتى على المرأة المطلقة يجب أن يصرف عليها. لأجل ماذا؟ لأجل ذاك الجنين الذي في بطنها. فمن باب أولى إذا ولدت، أن يصرف على الابن.
وفيما نقل من قضية هند - زوجة أبي سفيان - مع نبينا محمد (ص)، وهذه رواية مشهورة الرواية عند الفريقين: مدرسة الخلفاء، مدرسة أهل البيت (ع): أن هند - زوجة أبي سفيان - جاءت إلى رسول الله (ص)، فقالت له: "إِنَّ أَبَا سُفْيَان رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَلَا يُنْفِقُ عَلَيَّ وَعَلَى وُلْدِي، فَيَجُوزُ لِي أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ؟" فقال لها النبي (ص): "خُذِي لَكِ وَلِوِلْدِكَ بِالمَعْرُوفِ". أي بالمقدار الذي يكفي، فلا تستغلي الفرصة، وتأخذي من يمين وشمال.
طبعا، في هذه القضية، توجد فوائد تاريخية كثيرة، وأخرى فقهية كثيرة أيضا. الفوائد الفقهية ذكرها الشهيد الثاني - رضوان الله تعالى عليه - فاستنتج من هذه القضية اثني عشر حكما فقهيا. هذه الثلاثة سطور التي ذكرناها الآن، استنتج منها أحد كبار علمائنا وهو: الشهيد الثاني - صاحب شرح اللمعة - اثني عشر حكما فقهيا. فإذا من الأخوة الأفاضل من هم على مطالعات فقهية، جيد أن يفكروا ما هي الأحكام التي يمكن أن تستنتج من هذه القضية؟ فإذا وصلوا إلى ١٢ حكما فقهيا، فيتبين أنهم ذوو عقل فقهي قوي، بشرط أن يكونوا غير مطلعين على المسألة قبل ذلك. وإذا لا، أي ما توصلوا، ليطالعوها، فينظروا كيف أن علماءنا الأبرار لديهم هذا المقدار من حدة الذهن ودقة الاستدلال.