قال : قلت يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم ؟ فقال : كانت أمثالًا . مثل :
نظام الحكم والقضاء في صحف إبراهيم :
( أيها الملك المسلط المبتلى إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها وإن كانت من كافر ). فيها توجيه لقادة المجتمعات والسلاطين والرؤساء أنه أنا الله سبحانه وتعالى ما جعلت الحكم والملك والسلطان لك أيها الحاكم حتى تجمع الأموال وتكدس الكنوز وتزيد أرصدتك ، ليس هذا هو المطلوب منك . وإنما المطلوب هو أن تحجب عني دعوة المظلوم وذلك بأن توفيه حقه . فإذا وجد المظلوم قضاءً عادلًا ورأى أنه إذا ذهب إلى المحكمة حصل على حقه ، فإنه لن يدعو الله في جوف الليل على ظالميه فأنا جعلتك أيها الحاكم لتقيم نظامًا قضائيًا عادلًا لا يلجئ المظلوم لأن يدعو على ظالميه على أثر عدم امتلاك حيلةً وسبيل .
هذا جزءمن صحف إبراهيم وهو ما يرتبط بموضوع القضاء والحكومة والسياسة .
العقائد في صحف إبراهيم :
أيضًا توجد فيها أمور أخرى ، فيها قسم من العقائد مثل التبشير برسول الله محمد ( صلى الله عليه وآله ) فقد جاء في روايةٍ عن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( إن اسم النبي (صلى الله عليه وآله ) في صحف إبراهيم عليه السلام الماحي )
إما بمعنى أنه يمحو بمحبته سيئات الخلق ، وإما بمعنى أنه يمحو عبادة الأصنام ويزيل هذه العبادة الوثنية ويمحوها من وجه الأرض وهذا ما حصل فعلًا على أثر جهود رسول الله صلى الله عليه وآله . فهذا وارد في حق رسول الله .
قوانين الحياة في صحف إبراهيم :
قوانين الحياة قوانين الجزاء قوانين الكسب وقوانين الفلاح الدنيوي والأخروي كلها موجودةٌ في صحف إبراهيم وبعبارةٍ أخرى فنظام الجزاء والعطاء في الدنيا والآخرة أصولها موجودةٌ في صحف إبراهيم .
مثال على ذلك ما يقوله القرآن الكريم : ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى *وإبراهيم الذي وفى *ألا تزرُ وازرةٌ وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى *وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى)
فالإنسان بنفسه يتحمل مسؤولية أعماله دنيا وأخرى وأن غيره لا يحمل وزره عنه ، فلا يصح عقوبة غير الجاني والمجرم . كأن يؤخذ ابنه رهينة أو زوجته وتهدده إذا لم ترجع سنفعل كذا وكذا . وأيضًا وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فلا تغرر نفسك بالأسماء فتقول أنا مسلم وأنا موالي وغير ذلك فليس للإنسان إلا ما سعى ، فهذا جاء في صحف إبراهيم وموسى ودونه القرآن الكريم أي أن الكتب السماوية الثلاث فيها هذا المعنى .
وأيضًا (أن سعيه سوف يرى ) فحين تعمل خيرًا في هذه الدنيا تلقى خيرًا فيها ولا تلقى شرًا فهذا المثل الذي يقول : تفعل خير تلقى شر .
هذا المثل وبعض الأمثال الأخرى هي مخالفة صريحة للقرآن الكريم ومع ذلك هي مستحكمة في نفوس الناس . فهذا المثل كذب وليس صحيحًا . فنتيجة العمل ليس في الآخرة فقط بل في هذه الدنيا .( ثم يجزاه الجزاء الأوفى )
ففي الدنيا تلقى خيرًا وفي الآخرة جزاء أوفى ، ففي الدنيا بمقدار سعيك وفي الآخرة أوفى وأكبر .
أيضًا الفلاح والنجاح رهن العبادة والعطاء والقرب من الله ( قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خيرٌ وأبقى * إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى )
الحاجة إلى الإمام :
القضايا العقائدية كالحاجة إلى الإمام والقائد موجود في صحف إبراهيم وهذا ما أخبرنا عنه الإمام الصادق عليه السلام في روايةٍ أختصرها : دخل هشام بن الحكم على الإمام الصادق وهو رجل عالم متمكن بالرغم من صغر سنه وعندنا في الدين أن الإنسان العالم والمؤمن مرفوع الدرجة ) يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتو العلم درجات ) فأجلسه الإمام إلى جانبه وقربه بجنبه . فبعض الحاضرين من كبار السن لم يعجبهم هذا الأمر . فأراد الإمام أن يبين لهم منزلة هشام وأن يطلب منهم قضية سيبينها ، فقال له : يا هشام ألا تخبرني ماذا صنعت بعمرو بن عبيد فقال له : سيدي إن لساني لا يعمل في حضرتك . فقال له : أنا آمرك بهذا . فقال هشام : ذهبت إلى البصرة ودخلت أحد مساجدها وكان هناك جمع كبير وأحدهم متصدر والناس يسألونه وحين فرغ الناس من أسئلتهم ، قلت له : لدي سؤال . فقال : ادنُ مني . فاقتربت إليه وقلت له : عندي سؤال وأرجو ألا تؤاخذني . فقال : سل . فقلت له : ألك عين ؟ فقال : ماهذا السؤال ؟ فقلت له : تحمل أسئلتي . قال : بلى . ما تصنع بها ؟ قال : أنظر بها . فقلت : ألك أذن ؟ قال : بلى . ما تصنع بها ؟ قال : أسمع بها . ألك رجل ؟ قال : نعم . ما تصنع بها ؟ قال : أسعى بها . ألك يد ؟ قال : نعم . ما تصنع بها قال : أبطش بها وآكل بها . فقلت له : هذه الأشياء تعمل أم لا؟ قال : بلى . قال : ألك قلب ( بمعنى العقل ) قال بلى . فما تصنع به ؟ قال : إذا اشتبه على هذه الأشياء شيئ رجعت إليه . فإذا اشتبه شيئ على عيني رجعت إلى القلب فميزه وهكذا بقية الجوارح .