فلو فرضنا أن هذه الحادثة صحيحة فهي تبرر مقدار حقد ذلك الطرف الأموي ولكنها لا تفسر لماذا ثار الحسين على يزيد فلم يثر عليه لأنه كان عنده مشكلة معه حول امرأة ؟
البعض ذهب إلى هذا ومن العجيب أنه حتى بعض المحققبن الرائعين مثل العقاد وهو رجل فحل في تحليله فذهب في كتابه أبو الشهداء والذي يعتبر حقيقةً من الكتب الجميلة والرائعة والتي ينبغي أن يقرأها الشباب لكنه مع هذا رأى أن هذا من الأسباب التي جعلت العلاقة متشنجةً بين خطين : خط يمثل الصفاء والأريحية والقيم الدينية والشهادة وبين خط آخر يمثل الدنيا والشهوات والهوى وهو الخط الأموي .
سبب آخر يذكره المؤرخون أن من جملة ماكان بين الإمام الحسين عليه السلام وبين يزيد بن معاوية هو امتداد للصراع الموجود تاريخيًا بين أمية وبين هاشم ثم بين حرب وعبد المطلب ثم بين أبي سفيان ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم معاوية وأمير المؤمنين ثم بين الحسين ويزيد ، فالقضية في نظر هؤلاء ترتبط بحالة من الصراع القبلي بين قبيلتين وفئتين وعشيرتين متقابلتين فيذكرون أنه أول ما ولد لعبد مناف لأن بني هاشم وبني أمية يلتقون في عبد مناف فجدهم الأعلى عبدمناف ولد له ولدان هاشم وأمية فيقولون أنه لما ولد لعبد مناف هاشم وأمية كانا ملتصقين من جهة الظهر (مثل التوائم السيامية الآن ) ففصلا بالسيف ثم كويا وعاشا هذين الولدين هاشم وأمية لكن الكهنة قالوا أنه سيكون الدم والسيف بين هذين الأخوين ...مثل هذا التوجه يقول أن الصراع بين الإمام الحسين عليه السلام وبين يزيد ليس حالة طارئة وإنما هي حالة تاريخية ممتدة إلى الأجداد وآباء الأجداد وأجداد الأجداد فهذا أيضًا ضمن هذا المسلسل مثل العشائر الموجودة حاليًا آل فلان وآل فلان وترى العداوات بين الجيل الأول والثاني والثالث وهكذا تستمر العملية إلى أن ينتصر أحد الطرفين على الطرف الآخر انتصارًا تامًا ويسلم الثاني ، فالقضية في نظر هؤلاء كانت قضيةً قبليةً مرتبطةً بالصراع التاريخي بين هاشم وأمية الذين صار بينهما منافرات وحروب وتنافس فهذا يطعم بمقدار وذاك بمقدار أكثر كي يكسره وذاك يجهز بمقدار وذاك بضعفه حتى يكسر سمعته وهكذا حتى حصل حتى تطور من التنافس إلى الصراع والحرب بينهما ، وربما يشير أبو سفيان لشيء من هذا القبيل في بعض كلماته أنه لماذا أنت لا تؤمن برسول الله بعد ما استبان لك ؟ فقال : كنا وبنو هاشم يطعمون فنطعم ويرفدون فنرفد ويجهزون فنجهز إلى أن قالوا منا نبي فهل تريد منا أن نستسلم بهذه الطريقة إنما لا بد أن نواجه .
فإذن هذا سبب آخر يذكره بعض المؤرخين .
والجواب على هذا الكلام أنه من الممكن أن يفسر هذا الأمر موقف بني أمية ( موقف أبو سفيان موقف معاوية موقف حرب وموقف يزيد فيما بعد ) من بني هاشم ومن الحسين عليه السلام هذا ممكن وعندنا شواهد على هذا الأمر فأبو سفيان حين يرى جثة حمزة بن عبد المطلب يتعامل معه ضمن الصراع التاريخي من الانتقام الذي يمثل به وينتزع كبده ثم تحاول زوجته هند أن تقضم كبده ضمن هذا الصراع . أو معاوية كما ينقل عنه ابن الوليد بن المغيرة فكان يقول أن المغيرة بن شعبة كان يجالس معاوية فيرجع إلى بيته وهو معجب بسياسة معاوية وبقول ( هكذا لتكن الملوك ) إلى أنه في إحدى الليالي جاء وكان جدًا مستاء فخشيت أن تكون منزلته وحضوته عند معاوية قد سقطت فسألته : ما الأمر ؟ فقال : جئتك من عند أخبث الناس . فقلت من : قال معاوية . فقال : ما كان رأيك فيه هكذا . فقال له : نعم في هذه الليلة قلت له بعد أن تبسط في الكلام ، قلت له : إنك الآن قد ظهرت أصبحت صاحب دولة والكل سلم لك ، فلو نظرت إلى بني عمك من بني هاشم فوصلت رحمهم وأنعشت محتاجهم كان ذلك أحسن . فقال : لا إن أخا تيمٍ حكم فعدل يقصد الخليفة الأول فما عدا أن هلك وهلك ذكره وإن أخا عديٍ يقصد الخليفة الثاني قد حكم فعدل فما عدا أن هلك فهلك ذكره ثم ملك أخونا عثمان فما عدا هلك فهلك ذكره وهذا ابن أبي كبشة ( يعني رسول الله ) يصرخ به في كل يوم خمس مرات لا والله إلا دفنًا دفنًا ( يعني أنا لا يهدأ لي بال إلا أن أطمس هذا الأثر )