ثم أراد أن يعقد عليهاها فقال له لا بد أن تفرغ من زوجتك أولًا فهي لا تزال في العدة فمن الممكن أنك تتزوجها مرة أخرى ، فلتخرج من عدتها أولًا . قضت أيام عدتها وبانت الزوجة الأولى وانتهى أمره معها . وهنا شاع الخبر بأن معاوية لعب على ذقنه وجعله يطلق زوجته كي يزوجها من ابنه يزيد . فصار هذا يضغط على معاوية أين وعدك ؟ لماذا لا أعقد على ابنتك . فقال له بنت معاوية : أنا بعد البحث والسؤال عنك تبين لي أن عندك بعض الأخلاق التي لا أرتضيها ، فالمعذرة وأنا لا أستطيع الإقدام على هذه الخطوة . هنا عرف أنه قد خدع وتلك المرأة أرينب بطبيعة الحال قد تأثرت لأنه طلقها بلا سبب ووصل إليها الخبر بأنه قد طلقها من أجل أن يتزوج بنت معاوية . فالآن لا يستطيع أن يواجهها ويطلب منها أن يعقد عليها من جديد . فالمسكين خسر زوجته الأولى ولم يحظ ببنت معاوية .
هنا معاوية أرسل إما أبا هريرة أو أبا الدرداء حسب ما ينقلون إلى البصرة كي يخطب أرينب إلى يزيد ، وهذا الرسول سواء في أثناء ذهابه للبصرة مر على المدينة فيلتقي بالحسين عليه السلام وقيل بالحسن فسأله : إلى أين أنت ذاهب ؟ فقال : أنا جئت من الشام و جئت إلى المدينة كي أزور النبي وسأذهب إلى البصرة كي أخطب أرينب التي طلقها زوجها عبدالله بن سلام إلى يزيد . فقال له الحسين : اذكرني عندها ولها من المهر مثل ما بذل يزيد . فيذهب هذا الخاطب إلى أرينب فيقول : أن يزيد بن معاوية يخطبك ومررت في طريقي إلى المدينة فالتقيت بالحسين بن علي بن أبي طالب أيضًا ذكرك وقال : لها من الأمر مثل ما يعطيها يزيد .
فقالت له : لو كنت ابنتك من تختار لي ؟ فقال : ما كنت لأضم إلى نحري إلا نحرًا اعتنقه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . فقالت : ذلك ما أردت فتولى أنت أمري وزوجني بالحسين فزوجها بالحسين . ورجع بالخبر إلى الشام ، فتنقل بعض الروايات أن معاوية خاطبه قائلًا : إنما أنت حمار ما أرسلناك لهذا؟ إنما أرسلناك حتى لترتب الأمر كما طلبنا منك لا لتعرض عليها شخص آخر وتروحها من يدنا .
بعض الكتاب يقولون أن هذه الحادثة جعلت من يزيد يتخذ موقفًا شديدًا وعنيفًا من الإمام الحسين عليه السلام وأنه لا يقبل منه إلا القتال وأن يقضي عليه . فالذين يريدون هذه القضية في باب أخلاق الإمام الحسين يقولون إن عبدالله بن سلام لما عرف أن الحسين خطبها جاءه وقال له : أنه بقي عندي شيء من المال أمانة عند فلانة وأنت الآن بما أنك زوجها أخبرها عن ذلك . فلما جاء عبدالله بن سلام إلى زوجته السابقة كي يستلم المال تذكرا ما كانا عليه من الصفاء فبكيا . ووصل الخبر إلى الإمام الحسين عليه السلام فقال : أنا إلى الآن ما دخلت بها فهي طالق وارجع إلى زوجتك ولكن بعقد جديد . فهذا يعتبرونه نوع من أنواع المروءة العالية بأن يسلك شخص هذا المسلك كي يرجع شخصًا لزوجته وفي نفس الوقت يذكرونه من مثالب معاوية باعتبار أن خليفة المسلمين يقوم بهذه الحيلة التي تستبطن الكذب الصحيح والتخطيط ضد أحد ولاته ، فإذا كان يتعامل مع واليه بهذه الطريقة فما ظنك بأعدائه .
البعض يقول أنها قصة مختلقة ونفس كتاب ( الإمامة والسياسة ) ليس معلومًا أنه بكامله لمؤلفه ابن قتيبة وإنما تمت الزيادة فيه والنقيصة وأن حادثةًً من هذا النوع لم تكن قد وقعت . وسواءً قلنا أن هذه الحادثة موجودة أو لم تكن نحن نستفيد منها بعض النتائج :
النتيجة الأولى : نتيجة أخلاقية أشرنا إليها ، أي مقدار من السمو عند الحسين عليه السلام الذي هو من الناحية الشرعية صار زوجًا ولم يصنع شيئًا ومع ذلك تراه يتنازل عن تلك الجهة كي يرد المرأة إلى زوجها في مقابل تلك الحالة من التسافل الموجودة عند الطرف الآخر في التآمر على شخص مسلم وتطليقه من زوجته وإعداد الخطط من أجل التفريق بين زوجين . غير أنه مع ذلك لو فرضنا أن هذه الحادثة صحيحة إلا أنها قد تبرر مقدار حقد يزيد على الحسين ولكنها لا تبرر أبدًا ثورة الحسين على يزيد . فالإمام الحسين لم يكن منطلقًا من منطلقٍ شخصي في ثورته وحركته ضد بني أمية وحتى لو كان الحسين يريد أن يقف حاجزًا في عدم وصول يزيد إليها إنما كان ليوقف هذا المسلسل من المكر والخديعة الذي قام به القائد الأعلى للمسلمين ظاهرًا وبالتعاون مع ابنه للتفريق بين الزوجين .