من شيء، "وَعَلَى الإِسْلَامِ السَّلَام"، اقرؤوا عليه الفاتحة، انتهى. فتحرك الإمام الحسين (ع)؛ لمقاومة هذا. دعني أقول لك حكاية: مع حركة الإمام الحسين (ع)، ومع جرائم يزيد، ومع أفعاله، مع ذلك كله، وجدنا بعض مشايخ المسلمين، يقولون في هذه الأزمنة: أن بيعة يزيد بيعة شرعية، وهو أحد أئمة المسلمين. فبعض الناس إلى الآن يعتقدون به، ويتدينون - بينهم وبين الله - أن يزيد واحد من أئمة المسلمين وخلفائهم، وبيعته بيعة شرعية لازمة الاتباع والطاعة! هذا مع ثورة الإمام الحسين (ع)! فكيف بهم لو أن الإمام الحسين (ع) ما ثار وما تحرك! ذلك الوقت تصبح النسخة الوحيدة، الفضلى، والمثلى، للإسلام، هي الصورة التي جاء بها يزيد بن معاوية!رحم الله السيد جعفر الحلي، يقول في قصيدته الكفاية المعروفة:وقد تحكم بالإسلام طاغية يمسي
ويصبح بالفحشاء منهمكالئن جرت لفظة التوحيد من فمه فسيفه بسوى الإسلام ما فتكالم أدر أين رجال المسلمين مضوا وكيف صار يزيد فيهم ملكاالعاصر الخمر من لؤم بعنصره ومن خساسة طبع يعصر الودكاهناك:فما رأى السبط للدين الحنيف شفا إلا إذا دمه في كربلا سفكافأول دافع حرَّك الحسين (ع) هو لكيلا ينهار الإسلام ولكيلا يدفن. كأن الإسلام قد وصل – إلى ما قبل زمان يزيد - إلى لبس الفرو مقلوبا، لا جاذبية فيه، ولا فائدة منه. أما في زمان يزيد، فقد كان المقرر أن يدفن الإسلام، فإكرام الميت دفنه، غير أن الإمام الحسين (ع) تحرك؛ لإعادة هذا الأمر، ولإنقاذ الدين، ولإعادة الصورة التي جاء بها رسول الله (ص). وهذا أول غرض من الأغراض التي دفعته للحركة. الغرض الآخر: المسؤولية الاجتماعية التي يفرضها
الدين. فنحن نعلم أن الدين الإسلامي فيه واجبات، بعضها ذات منحى فردي، وبعضها ذات منحى عبادي. الصلاة غالبا ذات منحى عبادي فردي، ولكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجب اجتماعي. الصوم عبادة فردية، ولكن الجهاد عبادة اجتماعية. شرب الخمر محرم فردي، لكن مقاومة الظلم ومواجهة الظالم، أمر اجتماعي لازم على الإنسان المؤمن. هذه كلها، مثلما أن الإنسان يؤمن بالصلاة والصيام والحج، وهي من الواجبات ذات المنحى الفردي، فالمطلوب منه أيضا، أن يؤمن بالواجبات التي هي ذات منحى اجتماعي، وإلا يصبح مثالا للآية: (فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ).فأحد يقول: أنا يعجبني من الإسلام الصلاة، أما قضية الأمر المعروف، فلا. يعجبني من الإسلام الدعاء ولكن قضية مقاومة الظالم ومحاربة الفساد، فلا. ليس كذلك الأمر. وبالتالي الإمام الحسين (ع) هو أولى من غيره
في تطبيق هذه المسؤولية الاجتماعية. وهذا ما أشار إليه في تتمة الحديث عن رسول الله محمد (ص). عندما قال: "سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: مَنْ رَأَى مِنْكُم سُلْطَانًا جَائِرًا مُسْتَحِلًّا لِحَرَامِ اللهِ مُحَرِّمًا لِحَلَالِ اللهِ عَامِلًا فِي عِبَادِهِ بِالإِثْمِ وَالعُدْوَان، فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيهِ بِفِعْلٍ وَلَا بِقَوْلٍ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ، أَلَا وَإِنِّي أَحَقُّ مَنْ غَيَّر". أنا أولى الناس. وهذان الأمران، من جملة أمور أخر، لا نتعرض إليها الآن، دفعت الإمام الحسين (ع) باتجاه هذه الحركة، برفض البيعة الأموية، والتحرك بالاتجاه المخالف. كان أول تحرك اتخذه الإمام الحسين (ع) بعد رفض البيعة الأموية، أن يخرج من المدينة. فخروجه من المدين، كان بمنطق الحوادث هو القرار الأصوب والأسلم، لماذا؟ لأن المدينة المنورة، في بحوث العلماء، يقولون: أنها كانت -
من الناحية الاستراتيجية - مقبرة الثورات. فليس هناك من ثورة حدثت في المدينة المنورة، إلا وخمدت في مكانها: ثورة عبد الله بن حنظلة، غسيل الملائكة، التي حدثت بعد حركة الإمام الحسين (ع)، وقضي عليها قضاء مبرما، ولم يتفاعل معها أحد من أطراف المدينة، فضلا عن سائر بلاد المسلمين. حتى في زمان العباسيين: ثورة محمد، النفس الزكية، التي كانت - في حدود معينة - محل إجماع من غير أتباع أهل البيت (ع)، وبعض أتباع أهل البيت (ع)، مع ذلك خمدت حركته وصفيت تصفية كاملة. حركة شهيد فخ، الحسين بن علي، من أحفاد الإمام الحسن، في وقت متأخر، من أيام العباسيين، نفس الكلام. لماذا؟ لأن المدينة بلدة صغيرة، محصورة، ليس وراءها مدد، وليس فيها فئات كثيرة من الناحية البشرية، ولا عوامل انتصار