مسيرة الامام الحسين من المدينة إلى مكة

مسيرة الامام الحسين من المدينة إلى مكة
00:00 --:--

موقف عملي مخالف للرسالة، أو مخالف للشجاعة، أو مخالف للموقف المطلوب. هذا جواب. جواب آخر: أنه أساسا كان لهذا الخوف جهة رسالية، (خَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا)، لكن على ماذا هو خائف؟ تفسر هذا آية أخرى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ). فهناك فرق بين: فأوجس على نفسه خيفة، وبين (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً)، أي صار في داخل نفسه خوف، ولكن هذا الخوف على ماذا؟ على أموال أن يخسرها، فهذا نوع من الخوف. أن يُبتر عمره، هذا نوع آخر من الخوف. أولاده، نوع ثالث. لا. كان خائفا على رسالته، على دينه الذي جاء به، على دعوته. عنده اهتمام في هذا الأمر، وهذا الخوف يثاب عليه الإنسان. فليس هو ممن يقول: إن صار، صار. إن لا، فبجهنم حسب التعبير. لا. هو يخاف على هذه

الديانة، يخاف على هذه الدعوة، يخاف على هذه الرسالة. يقلق عليها. النبي محمد، لذكره صلوا عليه، اللهم صل على محمد وآل محمد، يخاطبه القرآن الكريم، يقول له: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)، قلق، متأسف، متأذ، تكاد تنتهي حياتك! لكن على ماذا؟ إنما على هدايتهم. من شدة اهتمامه بهدايتهم، ورسالته. وهذا خوف مقدر، قلق ممدوح. وهذا يفسره مولانا أمير المؤمنين (ع) في الخطبة رقم ٤ من نهج البلاغة، ارجعوا إليها، يقول: "لَمْ يُوجِسْ مُوسَى خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ"، أي ما خاف على نفسه، "وَإِنَّمَا خَافَ مِنْ دُوَلِ الضَّلَالِ، وَمِنْ غَلَبَةِ الجُهَّالِ"، أي خاف أن تصبح السيطرة للجهلة، للحمقى، للمتخلفين. خاف أن يصبح الانتصار من نصيب أهل الضلال. وهذا الأمر مقدر. فإذن، خوف موسى هو ضمن هذا

الإطار. وهذا التخوف مقدر، محترم، مكرم. سيدنا ومولانا الحسين (ع)، أيضا عنده هذا التخوف. لكن تخوف على ماذا؟ يقول: "وَعَلَى الإِسْلَامِ السَّلَامُ إِذَا بُلِيَتْ الأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلَ يَزِيدِ". فأنا أخاف من انهيار الدين. إذن تمثل الإمام الحسين (ع) بالآية المباركة، في أثناء خروجه، فيه أوجه متعددة من المشابهة والمشاكلة: أصل الحركة، أطراف هذه الحركة والهجرة: ظالمون من جهة، ورساليون من جهة. أصل الحركة: رسالية، دينية، دعوة إلى الله عز وجل. وأيضا كان هناك حالة من القلق والتخوف على رسالة الله ومصير عباد الله. فالإمام الحسين (ع) خرج. فما الداعي؟ أي ما الذي يدعو الإمام الحسين (ع) إلى مثل هذا الخروج؟ ما هي دواعي وبواعث نهضته تلك؟ هناك بحث مطول لمن أراد التفصيل فيه، بحثه المرحوم الحجة الشيخ: باقر القرشي، في

كتابه: حياة الإمام الحسين (ع). عنده كتاب من ثلاثة أجزاء، بحث فيه أغراض وبواعث حركة الإمام الحسين (ع). وكتاب آخر، أكثر تفصيلا، مجلد كامل للمحقق: الشيخ الكرباسي، صاحب دائرة المعارف الحسينية، بعنوان: العامل السياسي في نهضة الإمام الحسين (ع). لو أحد يريد تفصيلا فليرجع إليه، فنحن نشير فقط إشارة سريعة. من البواعث في خروج الإمام الحسين (ع) التخوف من انهيار الإسلام والنموذج الإسلامي عند المسلمين جميعا. كيف؟ جاء نبينا المصطفى محمد (ص) وقدم صورة للناس عن الدين والإسلام ناصعة، شديدة البياض. فلما وصلنا إلى ما بعد رسول الله (ص)، اعترى هذه الصورة بعض التشويش، اختلف باختلاف مراحله الزمنية. ولما وصلنا إلى زمان معاوية، عبر الإمام أمير المؤمنين (ع) عن تلك المرحلة، بأنه: "لُبِسَ فِيهَا الِإسْلَامُ لِبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوبًا"، الفروة لما

تلبس بشكل مقلوب، فأولا: تصبح قبيحة المنظر، وثانيا: غير ذات أداء وكفاءة. إذ أن المفروض من الفروة أن تحمي من البرد. فإذا عكستها، لا تعطيك نفس النتيجة. وفوق ذلك، هي قبيحة المنظر. وهذا تشبيه بديع جدا قام به أمير المؤمنين (ع). يعني الإسلام، في ذلك الزمان، لا جاذبية فيه للناظر، ولا فاعلية فيه لمن يمارسه. لا فائدة فيه ولا جاذبية. فأنت تشتري الشيء، لماذا؟ سيارة مثلا، إما لأنها عملية وتقضي بها حاجتك، وإما لأنها جميلة وحديثة، أو للاثنين معا. أما سيارة لا تتحرك، ولا تعملل وأيضا قبيحة المنظر وقديمة! هكذا صار الإسلام. والإمام الحسين (ع)، أمام هذا، كان لا بد أن يقول للناس: أن هذا الإسلام الموجود في زمان معاوية وصل إلى هذا الشكل، وفي زمان يزيد سيدفن نهائيا. ليس

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة