مسيرة الإمام الحسين عليه السلام من المدينة إلى مكة
كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال
تمثل الإمام الحسين (ع)، عندما كان في طريق الخروج، موقف نبي الله موسى فتلى هذه الآية المباركة، (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) .
تعلمون أن التمثل بشيء يقتضي شيئا من المشابهة بين الموفقين. وإلا كان خلاف الحكمة. مثلا، لو كان في أثناء خروجه، يقرأ آية من آيات عذاب النار، لكان محل غرابة. إذ ما هي المشابهة والمشاكلة بين هذه الحركة وبين آية من آيات العذاب أو النار أو ما شابه؟! فلا بد أن يكون - بمقتضى الحكمة - هناك شيء من المشابهة بين الموقفين.
يظهر أن هناك تشابها في أصل هذه الرحلة، وفي كيفيتها، وفي أطرافها. في الأطراف، هناك طرف ظالم، جائر. وهناك طرف مؤمن، رسالي، موحد. هذا الأمر موجود في الجهتين. في زمان موسى، كان فرعون يمثل السلطة الظالمة الجاحدة، وموسى يمثل القيادة الإلهية. في زمان الإمام الحسين (ع)، كان الإمام يمثل القيادة الإلهية الربانية، ويزيد بن معاوية يمثل القيادة الظالمة والرئاسة الجائرة، هذا بخصوص التشابه في أطراف القضية. في أصل الحركة، أنها لم تكن نزهة، لم تكن لغرض تجاري، أو مادي، أو ترويحي عن النفس. وإنما كانت ضمن حركة تحرير هذا الشعب، والنهوض في وجه الظالم بأمر الله عز وجل.
وهذا الأمر في زمان موسى كان حاصلا. فلم يكن قد خرج للتنزه. وإنما خرج ضمن مسيرة تحرير بني إسرائيل، ودعوته إلى الله. وهنا أيضا، كرر الحسين نفس الدور، فلم يكن خارجا في نزهة من المدينة، وإنما قال: "إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلَاحِ".
هل كان الامام الحسين خائفا أيضا، الآية المباركة تثبت كيفية معينة وحالة مشتركة، وهي: الخوف والترقب: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ)، ويفترض أن هاتين الحالتين موجودتان في الموضعين. ولهذا يثار سؤال هنا: هل كان الحسين خائفا؟ وكيف يمكن أن يتفق هذا مع ما نعرفه من شجاعة الحسين وقوة قلبه؟ وهكذا الحال بالنسبة إلى نبي الله موسى. هناك أكثر من إجابة على هذا الموضوع. أشير إلى بعضها سريعا؛ حتى لا يطول بنا المقام. إحدى الإجابات: إن الخوف هو أحد الغرائز الموجودة في النفس البشرية الطبيعية. فأية نفس بشرية، سواء كانت نفس نبي، أو وصي، أو إنسان عادي، تحتوي هذه النفس على مجموعة من الغرائز، فعندها: غريزة فرح، وغضب، وحزن، وخوف، ورجاء، وما شابه ذلك. وهذه الطبيعة الإنسانية في كل أحد. ووجود هذه
الصفات حالة طبيعية، وليست مذمومة. فما هو المذموم من هذه الصفات؟ من هذه الغرائز؟ المذموم: هو ترتيب الأثر الخاطئ على هذه الغرائز. فأن يكون عند الإنسان غريزة فرح، فهذا لا مشكلة فيه، المشكلة أين؟ عندما يخرجه هذا الشعور من الحالة الاعتيادية إلى حالة البطر، فيفقد السيطرة على نفسه. هذا المذموم. الحزن أيضا، شعور غريزي داخلي طبيعي في كل إنسان، وليس مذموما. متى يصبح مذموما؟ عندما يتحول إلى جزع، ويخالف التوكل على الله، ويخالف الرضا بقضاء الله، ذلك الوقت يصبح الحزن ليس زينا: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا). فيُنهى عن الحزن هنا، لماذا؟ لأن به يخرج الإنسان من الحالة الاعتيادية إلى حالة مخالفة أمر الله في التصبر. وهكذا بالنسبة إلى الخوف. الخوف كذلك، غريزة طبيعية في داخل الإنسان. فالإنسان ليس جمادا،
ليس إسمنتا، ليس خشبا، له مشاعر. من هذه المشاعر: شعور الخوف. فمتى يكون هذا مذموما؟ عندما يؤثر الخوف على الإنسان، فيمنعه أن يقوم بواجبه، كأن يُدعى إلى الجهاد، فيقول: أنا خائف. يُدعى إلى كلمة الحق، فيمنعه الخوف. هنا يصبح هذا الخوف ماذا؟ مذموما. أما إذا لم يمنعه الخوف من ذلك، فهذا لا بأس فيه. والحزن أيضا لا بأس فيه. فالإمام زين العابدين (ع) كان حزينا، ويعقوب كان حزينا، (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ). أنا حزين، ولكن حزني هذا لا يخرجني عن سبيل الإيمان، وإنما يقربني إلى الله عز وجل. إذن، أحد هذه الأجوبة: أن قضية نبي الله موسى بن عمران، عندما خرج من تلك البلدة إلى تلقاء مدين، وكان خائفا مترقبا، فخوفه ذاك ليس مذموما؛ لأنه لم يترتب عليه