زينب بنت جحش وزيد بن حارثة

زينب بنت جحش وزيد بن حارثة
00:00 --:--

لأنّ النبي كان يحرص على رائحته الطيبة، ولا سيما رائحة فمه، وهذا يعطينا معنى ساميًا هو أنّ الإنسان لا يستقبل الآخرين برجله ويده، وإنّما يستقبلهم بوجهه، ووسيلة الكلام هي الفم، فإذا كان صاحبَ رائحة طيبة يقبل الناس عليه، وأما إذا حصل العكس فإنّ الناس سينفرون منه، وقد كان عبد الملك بن مروان في بخر الفم عجيبًا الى حدّ أنّ إحدى زوجاته كان إذا أكل من التفاحة لا تستطيع أن تأكل منها، بل لابدّ أن تقصها، وتأكل من الجهة الأخرى، إلى أن طلقها، فحمدت ربّها على هذه النعمة العظيمة.

فالنبي صلى الله عليه وآله كان يحرص دائمًا أن يكون نظيفًا ذا رائحة طيبة، ويحرص بالذات على رائحة فمه؛ ولذلك كان يوصي كثيرًا بالسواك والاستياك.

فالنبي تزوّج زينب، وأطعم عندما تزوجها طعامًا كثيرًا من اللحم والثريد، واستمرّ فترة قيل: إنّها ثلاثة أيام، وكان بعض الناس يأتون ويقعدون ويبسطون ـ بحسب التعبير ـ؛ لذلك نزلت الآية المباركة التي ضمتها سورة الأحزاب ـ أيضًا ـ:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا}([١٤]).

هذا ينبّهنا القرآن لضرورة أن يكون عند الإنسان ذوق وإحساس بحال الآخرين، لا تقل ـ مثلًا ـ: (هذا منتصف الليل، ولكن لا ضير أن أذهب إلى فلان أو أتصل به)!!، بل هناك ضير، فـ "ليس بأخ لك مَنْ ضيّعتَ حقّه"([١٥]).

بعض الناس يأتي في متنصف الليل، وهو يعلم أنّ صاحبه عنده دوام في العمل غداً، ويقول: (لا ضير، ولا مشكلة)!!

لا معنى لذلك، فهذا إنسان لا يستشعر حقّ الآخرين!!

منتصف الليل يتصل على قضية ليست طارئة أو عاجلة، أو يأتي لكي يشاهد التلفاز في بيت صاحبه!!، هذا فاقد للإحساس والحساسية تجاه الآخرين، وعليه أن ينمّي الذوق الاجتماعي لديه، فهذا تضييع لحقّ الآخرين..

النبي صلى الله عليه وآله كان في الأيام الثلاثة مرتبطًا بزينب، وهذا حقّ زينب، والنبي كان حييًا، يذكرون في صفاته: أنّه كان أحيى من العذراء في خدرها..

بعض الناس وجهه يطرد الناس، ليس بالكلام، بل بالصفعات، وهناك قسم من الناس عنده حياء، والنبي صلى الله عليه وآله كان من هذا القسم، هذا لابدّ أن تضع نفسك مكانه، وتشعر به، ترى إذا كنت تقبل أن يسهِّرك أحد، أو يوقظك من أول الفجر، وكيف يكون موقفك حينها؟!

كثير من الناس أعمى إلا عن حاجاته، فعنده أيّ قضية له هي مهمة، لكن بالنسبة للطرف الآخر قد لا تشكل تلك القضية أهمية، فيذهب إليه، ويزعجه، وينكد عليه حياته، ويوقظه مع عائلته آخر الليل أو في الفجر!!

فنزلت هذه الآية الشريفة: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ}، أي عليكم أن لا تجعلوا بيت رسول الله صلى الله عليه وآله محطًا لجلستكم.

أنتم مدعوون على الطعام، فإذا انتهى فانتشروا.

وكما تزوّجت زينب رسول الله صلى الله عليه وآله ، وسعدت معه تزوّج زيد بن حارثه أم أيمن بركة حاضنة النبي التي كانت من أهل الجنة، والتي قال عنها النبي: "من سرّه أن يتزوّج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن"([١٦])، وكان زيد يبحث عن امرأة من أهل الجنة؛ وهذه من أهل الجنة، وبالفعل تزوّجها وأنجب أسامه بن زيد الذي أمّره النبي على الجيش المعروف بـ (جيش أسامة) قريب وفاته صلى الله عليه وآله .

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة