زينب بنت جحش وزيد بن حارثة

زينب بنت جحش وزيد بن حارثة
00:00 --:--

هنا يكون هذا الرجل الذي ينشر سيئات المرأة ظالمًا، وتكون تلك المرأة التي تنشر سيئات الرجل ظالمة، وعلى كلّ منهما أن لا يفتري، ولا يبهت إنسانا بريئًا، وهنا يتبيّن الإيمان، لا ترَ الرجل كيف يصلي الجماعة، بل انظره كيف يتحدّث عن زوجته، لا ترَ المرأة كيف تمضي للزيارة، بل انظرها كيف تتحدّث عن زوجها، هنا يتبيّن مقياس الإيمان والتديّن عندهما، وهنا يتبيّن زيد.

يقول القرآن الكريم: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}([١٠])، لماذا لم يقل: (أو تسريح بمعروف)، بل قال: {أو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}؟!

المعروف يعني عدالة، مثل أن يكون شخص قد أدانك بألف ريال، فترجعها له ألفاً، هذا معروف، أما الإحسان فأن يدينك ألفًا، وأنت ترجع له ذلك من طوع نفسك، ويقترض منك ألف ريال، فتقول له: أرجع لي تسع مئة فقط.

بين الزوجين لما يكون هناك تسريح فليكن هناك (إحسان)، وليس (معروفًا).

عندما تُرجِع إليها كلّ حقوقها، وهي تُرجِع إليك كلّ حقوقك، فهذا من (المعروف)، لكنّ الإحسان أن يتفضّل عليها بالزيادة، فمثلًا يقول لها: إن كان الدخول قد حصل، وأخذتِ المهر، فتفضلي فوق المهر هذا مبلغ مجزل من المال، ويعطيها ألفي ريال أو أكثر.

أو تقول المرأة ـ مثلًا ـ للزوج: ما دامت الحضانة ستكون عندي في السنتين الأوليين للمولود، فيمكنك أن تأتي لرؤية ولدك مرة أو مرتين في الأسبوع، وهذا متعارف، ويدخل في نطاق (المعروف)، ولكنّ (الإحسان) أن تقول له: في أيّ وقت أحببت أن تأتي فتعال، وتفضّل على الرحب والسعة.

الإحسان أن لا يقول الرجل عن طليقته: (إن شاء الله بعدي لا ترى رجلًا إلى أن تهلك وتموت!!)، أو تقول المرأة: (الله لا يوفقك إن شاء الله، ولا ترى امرأة بعدي!!).

من الإحسان أن يذهب زيد لزينب، وأن يقول لها: أبشري يا زينب؛ فقد جلبتُ لك البشارة، فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله يخطبك لنفسه، وفعلًا هذه بشارة عظيمة، فقالت زينب: عرفتُ المعنى من الآية السابقة: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}([١١]).

قالت زينب: ريثما أمر ربّي، وقامت وصلت ركعتين، وطلبت من الله أن يختار لها الصالح، فإذا بالآية المباركة: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا}([١٢])، فكانت تفتخر على بقية نساء النبي أنّ زواجها لم يكن من الأرض، وإنّما كان من السماء، ليس بواسطة ولي، وإنّما من الله بحسب الآية المباركة ـ على نقاش فيه ـ، ولكن هي تفتخر أنّ قضية تزويجها بالخصوص جاءت في القرآن، فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكانت نعم المرأة مع رسول الله، كانت ممن اختارها الله ورسوله بحسب الروايات، وكانت صالحة تحبّ أن تهدي لرسول الله الهدايا حتى في غير يومها، وقد حصل بينها وبين نساء النبي أنّها عملت حريرا (عصيدة)، وكان ذلك في غير يومها، فجاءت بها إلى رسول الله كهدية تتحفه بها، فلما قدّمت ذلك إلى الرسول قامت إحدى نسائه، وأخذت ذلك الصحن مع الحريرا، ورمت بهما إلى الأرض، وكسرت الصحن، ودلقت الحريرا، والنبي بدلًا من أن يصنع ـ كما يصنع بعض الناس ـ من الانهيال بالشتائم والضرب، قال: (عليكِ لها صحن كالصحن الذي أتلفتيه)، وانتهى الموضوع.

الحريرا لي أنا، ولن أفعل لكِ شيئًا بسكبها، ولكنّ الصحن للمرأة، وعليكِ أن تضمني لها ذلك.

فمع وجود هذه المشاكل كان النبي يتعامل بهذه الطريقة الأخلاقية المناقبية الرائعة، فكانت أن أهدت إليه شربة من العسل.

وقيل: إنّ قضية الآية الأولى في سورة التحريم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}([١٣])، أنّ زينب قد أهدت إلى الرسول صلى الله عليه وآله شربة من العسل، وأنّ بعض نسائه قلن له: (يا رسول الله، نشمّ من فمك رائحة المغافير)، رائحة النحل، فالعادة أن يعطي العسل رائحة الزهر الذي يمتصه النحل، فكان هناك بعض الزهر سيء الرائحة، فلما قدّمت للرسول هذا العسل، كانت رائحته طيبة وجيدة، لكن قالت بعضهن: (إنّنا نشم من فمك رائحة المغافير)، أي رائحة غير جيدة، وغير مستطابة، فكان النبي صلى الله عليه وآله يريد أن يحرّم على نفسه العسل، فنزلت الآية الشريفة في هذا المورد.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة